فقد روى عن عروة أنه قال : يا بنى ، لا تكونوا لعّانين ، فإن إبراهيم لم يلعن شيئا قط. قال الله (١) : (إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
وقال قوم : معناه لديغ ، أحرقته المخاوف ، ولدغته الخشية.
وقد قال بعض علمائنا : إنّ معناه إلا من أتى الله بقلب سليم من الشرك ، فأما الذنوب فلا يسلم أحد منها.
والذي عندي أنه لا يكون القلب سليما إذا كان حقودا حسودا ، معجبا متكبرا ، وقد شرط النبىّ صلى الله عليه وسلم في الإيمان أن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه. والله الموفق برحمته.
الآية الرابعة ـ قوله تعالى (٢) : (وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ).
فيها مسألة واحدة :
في نزولها خبر عمّن تقدم من الأمم ، ووعظ من الله لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمّهم به ، وأنكره عليهم ، قال مالك بن أنس : قال نافع : قال ابن عمر في قوله : (وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) قال : يعنى به السّوط. وقال غيره بالقتل ، ويؤيد ما قال مالك قول الله تعالى ذكره عن موسى (٣) : (فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ). وذلك أنّ موسى لم يسلّ عليه سيفا ، ولا طعنه برمح ، وإنما وكزه ، فكانت ميتته (٤) في وكزته. والبطش يكون باليد ، وأقله (٥) الوكز والدفع ، ويليه السوط والعصا ، ويليه الحديد ، والكلّ مذموم إلّا بحقّ.
الآية الخامسة ـ قوله تعالى (٦) : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ).
فيها مسألتان :
المسألة الأولى ـ في نزولها (٧) :
وذاك أنها نزلت بسحر على النبي صلى الله عليه وسلم فصعد الصّفا ، ثم نادى : يا صباحاه
__________________
(١) سورة الصافات ، آية ٨٤.
(٢) آية ١٣٠.
(٣) سورة القصص ، آية ١٩.
(٤) في م ، والقرطبي : منيته.
(٥) في م : أوله.
(٦) آية ٢١٤.
(٧) أسباب النزول للسيوطي : ١٣١.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
