الرجل زنا ، ولا يكون ذلك من جهة المرأة زنا ، فهذا زان ينكح غير زانية ، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدّم.
قلنا : هو زنا من كل جهة ، إلّا أنّ أحدهما سقط فيه الحدّ ، والآخر ثبت فيه الحدّ ، وإن أردنا به العقد كان معناه أن يتزوّج الزانية زان ، أو يتزوج زان الزانية ، وتزويج الزانية يكون على وجهين :
أحدهما ـ ورحمها مشغول بالماء الفاسد.
الثاني ـ أن تكون قد استبرئت. فإن كان رحمها مشغولا بالماء فلا يجوز نكاحها ، فإن فعل فهو زنا ، لكن لا حدّ عليه ، لاختلاف العلماء فيه. وأما إن استبرئت فذلك جائز إجماعا.
وقد ثبت عن ابن عمر : بينما أبو بكر الصديق في المسجد إذ جاء رجل فلاث (١) عليه لوثا من كلام وهو دهش ، فقال لعمر : قم فانظر في شأنه ، فإن له شأنا. فقام إليه عمر ، فقال : إن ضيفا ضافه فزنى بابنته ، فضرب عمر في صدره. وقال : قبّحك الله ألا سترت على ابنتك! فأمر بهما أبو بكر فضربا الحدّ ، ثم زوّج أحدهما الآخر ، ثم أمر بهما أن يغرّبا حولا.
وقد روى نافع أنّ رجلا استكره جارية فافتضّها ، فجلده أبو بكر ، ولم يجلدها ، ونفاه سنة ، ثم جاء فزوّجه إياها بعد ذلك ، وجلده عمر ونفى أحدهما إلى خيبر ، والآخر إلى فدك.
وروى الزّهرى أنّ رجلا فجر بامرأة وهما بكران ، فجلدهما أبو بكر ، ونفاهما ، ثم زوجه إياها من بعد الحول. وهذا أقرب إلى الصواب وأشبه بالنظر ، وهو أن يكون الزواج بعد تمام التغريب.
وقد روى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيّب ، قال : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ، وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ). قال : نسخت هذه الآية الآية التي بعدها (٢) : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) ، وقد بينا في القسم الثاني من الناسخ والمنسوخ من علوم القرآن أنّ هذا ليس بنسخ ، وإنما هو تخصيص عامّ وبيان
__________________
(١) أى لم يبنه ولم يشرحه ولم يصرح به. وقيل : هو من اللوث : الطى (النهاية).
(٢) آية ٣٢.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
