مآخذ متباينة ، ولم أسمع لمالك فيها كلاما. وقد كان ابن مسعود يرى أنّ الرجل إذا زنى بالمرأة ثم نكحها أنهما زانيان ، ما عاشا.
وقال ابن عباس : أو له سفاح وآخره نكاح. وقال ابن عمر مثله. وقال : هذا مثل رجل سرق ثمرة ثم اشتراها (١) ، وأخذ مالك بقول ابن مسعود ، فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائة الفاسد.
وروى الشافعى وأبو حنيفة أنّ ذلك الماء لا حرمة له ، ورأى مالك أنّ ماء الزنا وإن كان لا حرمة له ، فماء النكاح له حرمة ، ومن حرمته ألّا يصبّ على ماء السفاح ، فيخلط الحرام بالحلال ، ويمزج (٢) ماء المهانة بماء العزّة ، فكان نظر مالك أشد من نظر سائر فقهاء الأمصار.
المسألة الثالثة ـ في التنقيح :
أما من قال : إنها نزلت في البغايا فظاهر في الرواية. وأما من قال : إن الزاني المحدود ـ وهو الذي ثبت زناه لا ينكح إلا زانية محدودة ، فكذلك روى عن الحسن ، وأسنده قوم إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم ، وهذا معنى لا يصحّ نظرا كما لم يثبت نقلا. وهل يصحّ أن يوقف نكاح من حدّ من الرجال على نكاح من حدّ من النساء ، فبأى أثر يكون ذلك أو على أى أصل يقاس من الشريعة؟
والذي عندي أنّ النكاح لا يخلو من أن يراد به الوطء ، كما قال ابن عباس ، أو العقد ، فإن أريد به الوطء فإن معناه لا يكون زنا إلا بزانية ، وذلك عبارة عن أنّ الوطأين من الرجل والمرأة زنا من الجهتين ، ويكون تقدير الآية وطء الزنا لا يقع إلا من زان أو مشرك ، وهذا يؤثر عن ابن عباس ، وهو معنى صحيح.
فإن قيل : وأىّ فائدة فيه؟ وكذلك هو. قلنا : علمناه كذلك من هذا القول ، فهو أحد أدلّته.
فإن قيل : فإذا بالغ زنى بصبية أو عاقل بمجنونة ، أو مستيقظ بنائمة ، فإن ذلك من جهة
__________________
(١) في القرطبي : سرق من حائط تمره. ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه تمره.
(٢) في م : ويمتزج.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
