انتهيت إلى الإذخر ، ففككت عنه كبله (١) ، فجعلت أحمله ، ويعينني ، حتى قدمت المدينة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، أنكح عناقا! فأمسك رسول الله فلم يردّ شيئا حتى نزلت : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا مرثد ، الزّانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ... إلى آخر الآية ، فلا تنكحها.
الثالث ـ أنها نزلت في أهل الصّفة ، وكانوا قوما من المهاجرين لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر ، فنزلوا صفّة المسجد ، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ، ويأوون إلى الصّفة بالليل ، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور ، مخاصيب بالكسوة والطعام ، فهمّ أهل الصّفة أن يتزوجوهنّ ، فيأووا إلى مساكنهنّ ، ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن ، فنزلت فيهم هذه الآية ، قاله ابن أبى صالح.
وقاله مجاهد ، وزاد أنهن كن يدعين الجهنّميات ، نسبة إلى جهنم.
الرابع ـ معناه الزاني لا يزنى إلّا بزانية ، والزانية لا تزنى إلا بزان ـ وروى عن ابن عباس.
الخامس ـ أنها مخصوصة في الزاني لا ينكح إلا زانية محدودة ، ولا ينكح الزانية المحدودة إلا زان ـ روى عن ابن مسعود والحسن وغيرهما.
السادس ـ أنه عامّ في تحريم نكاح الزانية على العفيف ، والعفيف على الزانية.
المسألة الثانية ـ هذه الآية من مشكلات القرآن من وجهين :
أحدهما ـ أن هذه صيغة الخبر ، وهو على معناه ، كما بيناه في غير موضع وشرحناه ، ردّا على من يقول : إنّ الخبر يرد بمعنى الأمر ، وذلك أنّ الله أخبر أنّ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. ونحن نرى الزاني ينكح العفيفة. وقال أيضا : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ، ونحن نرى الزانية ينكحها العفيف ، فكيف يوجد خلاف ما أخبر الله به عنه؟ وخبره صدق ، وقوله حقّ لا يجوز أن يوجد مخبره بخلاف خبره ، ولهذا أخذ العلماء فيها
__________________
(١) الكبل ـ بالفتح ويكسر : القيد.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
