وقد روى أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد أصاب حدّا ، وأتى بسوط شديد (١) ، فقال : دون هذا. وأتى بسوط دونه ، فقال : [فوق] (٢) هذا.
وأمر عمر برجل يضرب الحدّ ، فقال له : لا ترفع إبطك. وعنه : أنه اختار سوطا بين السوطين. ويفرق عليه الضرب في ظهره ، وتجتنب مقاتله ، ولا خلاف فيه.
وهذا ما لم يتتابع الناس في (٣) الشر ، ولا احلولت لهم المعاصي ، حتى يتخذوها ضراوة ، ويعطف الناس عليهم بالهوادة ، فلا يتناهوا عن منكر فعلوه ، فحينئذ تتعيّن الشدّة ، ويزيد الحدّ ، لأجل زيادة الذنب.
وقد أتى عمر (٤) بسكران في رمضان ، فضربه مائة : ثمانين حدّ الخمر ، وعشرين لهتك حرمة الشهر ، فهكذا يجب أن تتركّب العقوبات على تغليظ الجنايات ، وهتك الحرمات.
وقد لعب رجل بصبىّ ، فضربه الوالي ثلاثمائة سوط ، فلم يغيّر ذلك مالك حين بلغه ، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار (٥) بالمعاصي ، والتظاهر بالمناكر ، وبيع الحدود ، واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة ، لمات كمدا ، ولم يجالس أحدا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
المسألة الثامنة ـ قوله تعالى : (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
وفقه ذلك أنّ الحدّ يردع المحدود ، ومن شهده وحضره يتّعظ به ويزدجر لأجله ، ويشيع حديثه ، فيعتبر به من بعده.
المسألة التاسعة ـ واختلف في تحديد الطائفة على خمسة أقوال :
الأول ـ واحد ، فما زاد عليه ، قاله إبراهيم.
الثاني ـ رجلان فصاعدا ، قاله عطاء.
الثالث ـ ثلاثة فصاعدا ، قاله قوم.
الرابع ـ أربعة فصاعدا ، قاله عكرمة.
الخامس ـ أنه عشرة.
__________________
(١) في م : جديد.
(٢) من م.
(٣) في م : على الشر.
(٤) في م : ابن عمر.
(٥) في م : والإستار.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
