قال الفقيه القاضي أبو بكر رضى الله عنه : هذا يدلك على أن النهى عن السمر إنما هو لأجل هجر القول أو لغوه ، أو لأجل خوف فوت قيام الليل. فإذا كان على خلاف هذا ، أو تعلّقت به حاجة أو غرض شرعي فلا حرج فيه ، وليس هو (٦) من منزع الآية ، وإنما هو مأخذ آخر على ما بيناه ، والله أعلم.
الآية الحادية عشرة ـ قوله تعالى (١) : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ).
فيها مسألتان :
المسألة الأولى ـ للعلماء فيها ثلاثة أقوال :
الأول ـ ادفع بالإغضاء والصفح إساءة المسيء.
الثاني ـ ادفع المنكر بالموعظة الحسنة.
الثالث ـ ادفع سيئتك بالحسنة بعدها.
المسألة الثانية ـ معنى هذه الآية قريب من معنى (٢) : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، إلا أنّ هذه خاصة في العفو ، والتي شرحنا (٣) الكلام فيها هاهنا عامة فيه وفي غيره حسبما سطرناه آنفا ، وهي مخصوصة في الكفار بالانتقام منهم ، باقية في المؤمنين على عمومها ، فأما قولهم : ادفع سيئتك بالحسنة بعدها فيشير إلى الغفلة وحسنتها الذّكر ، كما قال في حديث الأغرّ المزني (٤) : أنه قال صلى الله عليه وسلم : إنه ليغان (٥) على قلبي فأستغفر الله [في اليوم] (٦) سبعين مرة.
وفي كتاب مسلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنى لأتوب إلى الله في اليوم مائة مرة.
وقالت الصوفيّة : إنه يدخل فيه ادفع حظّ الدنيا إذا زحم حظ الآخرة بحظ الآخرة وحدها.
قال لي شيخنا أبو بكر الفهري : متى اجتمع لك أمران أحدهما للدنيا والآخر لله (٧) فقدّم
__________________
(١) آية ٩٦.
(٢) حم السجدة ، آية ٣٣.
(٣) في م : شرعنا الكلام فيها.
(٤) صحيح مسلم : ٢٠٧٥.
(٥) الغين : الغيم (النهاية).
(٦) من م. وفي صحيح مسلم : وإنى لأستغفر الله في اليوم مائة مرة.
(٧) في م : للآخرة.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
