من الوحى كرّرها عليه جاهلا بها ـ تعالى الله عن ذلك ـ فحينئذ أنكرها عليه جبريل ، وقال له : ما جئتك بهذه. فحزن النبىّ صلى الله عليه وسلم لذلك ، وأنزل عليه (١) : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) ، فيا لله والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد وسوس هامد ، لا يعلم أنّ هذه الآية نافية لما زعموا ، مبطلة لما رووا وتقوّلوا! وهو : المقام السادس ـ وذلك أن قول العربي : كاد يكون كذا : معناه قارب ، ولم يكن ، فأخبر الله في هذه الآية أنهم قاربوا أن يفتنوه عن الذي أوحى إليه ، ولم تكن فتنة ، ثم قال : لتفترى علينا غيره. وهو :
المقام السابع ـ ولم يفتر ، ولو فتنوك وافتريت لاتّخذوك خليلا ، فلم تفتتن ولا افتريت ، ولا عدوّك خليلا. ولو لا أن ثبتناك وهو :
المقام الثامن ـ (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) ، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه ثبّته ، وقرّر التوحيد والمعرفة في قلبه ، وضرب عليه سرادق العصمة ، وآواه في كنف الحرمة. ولو وكله إلى نفسه ، ورفع عنه ظلّ عصمته لحظة لألممت بما راموه ، ولكنا أمرنا عليك بالمحافظة ، وأشرقنا بنور الهداية فؤادك ، فاستبصر ، وأزح عنك الباطل ، وادحر (٢).
فهذه الآية نصّ في عصمته من كل ما نسب إليه ، فكيف يتأوّلها أحد؟ عدّوا (٣) عما نسب من الباطل إليه.
المقام التاسع ـ قوله : فما زال مهموما حتى نزلت عليه : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ...) الآية.
فأما غمّه وحزنه فبأن تمكّن الشيطان مما تمكّن ، مما يأتى بيانه ، وكان النبىّ صلى الله عليه وسلم يعزّ عليه أن ينال الشيطان منه شيئا وإن قلّ تأثيره.
المقام العاشر ـ أنّ هذه الآية نصّ في غرضنا ، دليل على صحة مذهبنا ، أصل في براءة النبىّ صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه أنه قاله عندنا ، وذلك أنه قال تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) ، فأخبر الله تعالى أن من سنته
__________________
(١) سورة الإسراء ، آية ٧١.
(٢) الفعل كجعل. والدحر : الطرد والإبعاد والدفع (القاموس)
(٣) تجاوزوا.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
