وقد روى علقمة بن نضلة قال : توفى النبىّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما نرى رباع مكة إلا السوائب (١) ، من احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن ، وقد بيّنا في مسائل الخلاف القول في رباع مكة.
والذي عندي الآن فيها أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم افتتح مكة عنوة ، لكنه منّ عليهم في أنفسهم ، فسمّوا الطلقاء ، ومن عليهم في أموالهم ، أمر مناديه فنادى من أغلق عليه بابه فهو آمن ، وتركهم في منازلهم على أحوالهم من غير تغيير عليهم ، ولكنّ الناس إذا كثروا واردين عليهم شاركوهم بحكم الحاجة إلى ذلك.
وقد روى نافع ، عن ابن عمر ، أنّ عمر كان نهى أن تغلق مكة زمن الحاج ، وأنّ الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا فارغا ، حتى كانوا يضربون الفساطيط في جوف الدور.
المسألة السادسة ـ قوله : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ).
تكلّم الناس في دخول الباء هاهنا ، فمنهم من قال : إنها زائدة ، كزيادتها في قوله(٢):(تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) ، وعليه حملوا قول الشاعر :
|
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج |
|
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج (٣) |
أراد ونرجو الفرج. وهذا مما لا يحتاج إليه في سبيل العربية ، لأن حمل المعنى على الفعل أولى من حمله على الحرف ، فيقال المعنى : ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلما ، لأن الإلحاد هو الميل في اللغة ، إلّا أنه قد صار في عرف الشريعة ميلا مذموما ، فرفع الله الإشكال ، وبيّن أنّ الميل بالظلم هو المراد هاهنا ، والظلم في الحقيقة لغة وشرعا وضع الشيء في غير موضعه ، وذلك يكون بالذنوب المطلقة بين العبد ونفسه ، وبالذنوب المتعدّية إلى الخلق ، وهو أعظم ، ولذلك كان ابن عمر له فسطاطان : أحدهما في الحلّ ، والآخر في الحرم ، فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم ، وإذا أراد الأمر لبعض شأنه دخل فسطاط الحلّ ، صيانة للحرم عن قولهم : كلا والله ، وبلى والله ، حين
__________________
(١) في القرطبي : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله وأبى بكر وعمر السوائب لاتباع ، من احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن.
(٢) سورة «المؤمنون» ، آية ٢٠.
(٣) الفلج ـ بالتحريك : موضع لبنى جعدة بن قيس بنجد ، وهو في أعلى بلاد قيس. والبيت في معجم ياقوت (فلج).
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
