عظّم الله الذّنب فيه ، وبيّن أنّ الجنايات تعظم على قدر عظم الزمان ، كالأشهر الحرم ، وعلى قدر عظم المكان ، كالبلد الحرام ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما بنفس المخالفة ، والثانية بإسقاط حرمة الشهر الحرام ، أو البلد الحرام.
فإن أشرك فيه أحد فقد أعظم الذّنب ، ومن استحلّه متعمّدا فقد أعظم الذنب ، ومن استحله متأوّلا فقد أعظم الذنب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) : إن مكة حرّمها الله يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام بحرمة الله لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحلّ لأحد بعدي ، فإن أحد ترخّص فيها بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إنّ الله أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم. وهذا نصّ.
وقد قال (٢) أبو شريح العدوى لعمرو بن سعيد بن العاصي ، وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير أحدّثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناى ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي ، حين تكلّم به : حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس ، لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ، أو يعضد (٣) بها شجرة ، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له : إنّ الله أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلّغ الشاهد الغائب.
فقيل لأبى شريح : ما قال لك عمرو؟ قال : أنا أعلم منك بذلك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارّا بدم ، ولا فارا بخربة (٤).
وهذا من احتجاج عمرو باطل ، لأنّ ابن الزّبير رضى الله عنه كان قائما بالحق ، عادلا في الحرم ، داعيا إلى الله سبحانه.
الآية الثالثة ـ قوله تعالى (٥) : (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
فيها أربع مسائل :
__________________
(١) صحيح مسلم : ٩٨٦ ، ٩٨٧.
(٢) يعضد : يقطع.
(٣) الخربة : أصلها سرقة الإبل وتطلق على كل خيانة. أو هي الفساد في الدين.
(٤) آية ٢٦
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
