المسألة الرابعة ـ إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإنّ النطفة والعلقة والمضغة مخلّقة ، لأنّ الكلّ خلق الله ، وإذا رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال : ثم أنشأناه خلقا آخر ـ فذلك ما قال ابن زيد : إنها التي صوّرت برأس ويدين ورجلين ، وبينهما حالات.
فأما النطفة فليست بشيء يقينا ، وأما إن تلونت فقد تخلّقت في رحم الأمّ بالتلوين ، وتخلقت بعد ذلك بالتخثير ، فإنه إنشاء بعد إنشاء.
ويزعم قوم أنّ مع التخثير يظهر التخطيط ومثال التصوير ، فلذلك شكّ مالك فيه ، وقال : ومن رأيى من يعرف أنه سقط فهو الذي تكون به أمّ ولد. وقد استوفيناه في سورة الرعد (١) ، وشرح الحديث في كتاب الحيض فلينظر هنالك.
وعلى هذا يحمل ما جاء من الأخبار والآثار على المخلّق وغير المخلّق ، وعلى التام والناقص. ولعل المغيرة بن شعبة أراد السقط ما تبيّن خلقه فهو الذي يسمّى ، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له ، والاسم فيه دون موجود يسمّى وبما ذا تكوّن الولد ، وقد بيناه هنالك ، كما أشرنا إليه ، والله ينفعنا بعزته.
المسألة الخامسة ـ إذا ثبت هذا فإنّ عدّة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع ، ذكره إسماعيل القاضي ، واحتج عليه بأنه حمل ، وقد قال الله (٢) : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) ، وكذلك قال : لا تكون به أمّ ولد ، ولا يرتبط شيء من الأحكام به ، إلا أن يكون مخلّقا ، لقوله تعالى : (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ، فيطلق عليه أنه خلق ، كما أنه حمل.
واعترض عليه بعض الشافعية بأنّ الولد ليس بمضغة ، وإنما ذكره الله سبحانه وتعالى تنبيها على القدرة.
قلنا : فأين المقدور الذي تعلّقت به القدرة؟ هل هو تصريف الولد بين الأحوال ، ونقله من صفة إلى صفة؟ فذكر أنّ أصله النطفة ، ثم تداوله الصفات ، فيكون خلقا وحملا.
قال المعترض : والمراد بقوله : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَ) : ما يسمّى ولدا.
__________________
(١) صفحة ١٠٩٧ من هذا الكتاب.
(٢) سورة الطلاق ، آية ٤.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
