وقال أبو حنيفة : إذا أفسدت المواشي ليلا أو نهارا لم يكن على صاحبها ضمان.
وتحقيق المسألة أنه معنى حديث «العجماء جبار» ، وهذا ينفى الضمان كلّه ، ومعنى حديث البراء ، وهو نصّ في الفرق بين الليل والنهار ، فوجب تخصيص حديث البراء بحديث العجماء ، وليس عندنا بقضاء داود وسليمان نصّ ، فنقول : إنه يعارض هذا على أحد القولين في أنّ شرع من قبلنا شرع لنا ، فيفتقر حينئذ إلى الكلام عليه ، والترجيح فيه ، فوجب الوقوف عندها وقف بناء النص عليه. والله أعلم.
المسألة الحادية عشرة ـ إذا قلنا : إنّ أرباب المواشي يضمنون ما أفسدت ماشيتهم بالليل ، فإنهم يضمنون قيمة الزرع على رجاء أن يتمّ أو لا يتم ، قاله عنه مطرف ، ولا يستأنى بالزرع أن ينبت أو لا ينبت كما يفعل في سنّ الصغير.
وقال عيسى ، عن ابن القاسم : قيمته لو حلّ بيعه.
وقال أشهب : وابن نافع عنه في المجموعة : وإن لم يبد صلاحه.
والأول أقوى ، لأنها صفته ، فيقوّم كذلك لو تمّ أو لم يتم ، كما يقوّم كلّ متلف على صفته.
المسألة الثانية عشرة ـ إذا أفسدت المواشي ذلك فعلى أربابها قيمة ما أفسدت ، وإن زاد على قيمتها.
وقال الليث ، تسقط الزيادة على القيمة ، وهذا باطل ، لأن القيمة إنما هي على أرباب المواشي ، وليست على المواشي ، وتخالف هذا جناية العبد ، فإنها عليه ، فيحمل السيد منها إن أراد فداءه ـ قيمته.
المسألة الثالثة عشرة ـ لو لم يقض في المفسد بشيء حتى نبت أو انجبر فإن كانت فيه قبل ذلك منفعة رعى أو شيء ضمن تلك المنفعة ، وإن لم يكن فيه منفعة فلا ضمان ـ رواه ابن حبيب.
وقال أصبغ : يضمن ، لأنّ التلف قد تحقّق ، والجبر ليس من جهته ، فلا يعتدّ له به.
المسألة الرابعة عشرة ـ قال أصبغ في المدينة : ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذوّاد (١) ، فركّب العلماء على هذا أنّ البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع أو بقعة سرح ، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تحتاج في الزرع ، وعلى
__________________
(١) جمع ذائد : سائق. (١٥ ـ أحكام ـ ٣)
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
