المسألة الثامنة ـ وقد بيّنا في كتاب التمحيص أنّ اجتهادهم صحيح ، لأنه دليل شرعىّ ، فلا إحالة في أن يستدلّ به الأنبياء.
فإن قيل : إنما يكون دليلا إذا عدم النص ، وهم لا يعدمونه ، لأجل نزول الملك.
قلنا : إذا لم ينزل الملك فقد عدموا النصّ.
جواب آخر ـ وذلك أنه عندنا دليل مع عدم النصّ ، وعندهم هو دليل مع وجوده. والله أعلم.
المسألة التاسعة ـ في تحرير هذه المسألة كلها :
وذلك أنه لا إشكال في أنّ من أتلف شيئا فعليه الضمان ، لكن المواشي جاء فيها حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (١) أنه قال : العجماء جرحها جبار. فحكم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأن فعل البهائم هدر ، وهذا عموم متفق عليه سندا ومتنا ، وحديث ناقة البراء خاصّ ، وما قضى به داود وسليمان غير معلوم على التعيين ممن يقطع بصدقه ، فتعيّن أن نعتنى بشرعنا ، فنقول :
لا خلاف أنّ العامّ يقضى عليه الخاص ، وقضاء النبىّ صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بأنّ حفظ الزروع والثمار بالنهار على أربابها ، لما على أهل المواشي من المشقّة في حفظها بالنهار ، وبأن حفظ الكلّ بالليل على أرباب المواشي ، لأنّ ذلك من حفظ الزروع والثمار شاقّ على أربابها ، فجرى الحكم على الأوفق والأسمح بمقتضى الحنيفية السمحة ، ومجرى المصلحة ، وكان ذلك أوفق للفريقين ، وأسهل على الطائفتين ، وأحفظ للمالكين.
وليس في هذا اختلاف ، لما يروى عن النبيّين المتقدمين صلى الله عليهما وسلم في أصل الضمان ، وإنما هو خلاف في صفته.
المسألة العاشرة ـ قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعى : لا ضمان على أرباب المواشي فيما أصابت بالنهار.
وقال الليث : يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار.
__________________
(١) صحيح مسلم : ١٣٣٤.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
