بأن تدفع الغنم لصاحب الحرث علّه يغتلّها ، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم بعمارته ، فإذا عاد في السنة المقبلة إلى مثل حالته ردّ إلى كلّ أحد ماله ، قاله ابن مسعود ، ومجاهد ، فرجع داود إلى حكم سليمان.
المسألة الخامسة ـ في صفة حكم المصطفى صلى الله عليه وسلم فيها :
روى الزهري ، أخبرنى سعيد بن المسيب ، وحرام بن سعد بن محيّصة أن ناقة للبراء دخلت حائطا ، فأفسدت ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وأنّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامن (١) على أهلها. وفي رواية : وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. وهذا حديث صحيح لا كلام فيه.
المسألة السادسة ـ في هذه دليل على رجوع القاضي عما حكم به ، إذا تبيّن له أنّ الحق في غيره ، وهكذا في رسالة عمر إلى أبى موسى : فأما أن ينظر قاض فيما حكم به قاض فلا يجوز له ، لأنّ ذلك يتداعى إلى ما لا آخر له ، وفيه مضرّة عظمى من جهة نقض الأحكام ، وتبديل الحلال بالحرام ، وعدم ضبط قوانين الإسلام ، ولم يتعرض أحد من الخلفاء إلى نقض ما رآه الآخر ، وإنما كان يحكم بما يظهر إليه.
المسألة السابعة ـ قال بعض الناس : إن داود لم يكن أنفذ الحكم ، وظهر له (٢) ما قال غيره.
وقال آخرون : لم يكن حكما ، وإنما كانت فتيا ، فأما القول بأن ذلك من داود كان فتيا فهو ضعيف ، لأنه كان النبىّ ، وفتياه حكم.
وأما قوله الآخر : إنه لم يكن أنفذ الحكم فظهر له ما قال غيره. فهو ضعيف ، لأنه قال : «إذ يحكمان» ، فبيّن أنّ كلّ واحد منهما كان قد حكم ، على أنه قد قيل : إن الفتيا حكم ، وهو صحيح لفظا ، وفي بعض المعنى ، لأنه يلزم المقلّد قوله ، ولا يلزم المجتهد قول غيره.
وقد قيل : إنّ الله أوحى أنّ الحكم حكم سليمان ، فعلى هذا كان القضاء من الله ، وكلّ ذلك محتمل. وهذا كله مبنيّ على أن الأنبياء يجوز لهم الحكم بالاجتهاد ، وهي :
__________________
(١) ضامن بمعنى مضمون.
(٢) في ا : ظهر إليه.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
