المسألة الثانية ـ رجا زكريّا ربّه في الولد لوجهين :
أحدهما ـ أنه دعاه لإظهار دينه ، وإحياء نبوّته ، ومضاعفة أجره ، في ولد صالح نبىّ بعده ، ولم يسأله للدنيا.
الثاني ـ لأنّ ربّه كان قد عوّده الإجابة ، وذلك لقوله تعالى (١) : (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا). وهذه وسيلة حسنة أن يتشفّع إليه بنعمه ، ويستدرّ فضله بفضله. يروى أن حاتم الجواد لقيه رجل ، فسأله فقال له حاتم : من أنت؟ قال : أنا الذي أحسنت إليه عام أوّل. قال : مرحبا بمن تشفّع إلينا بنا.
الآية الثالثة ـ قوله تعالى (٢) : (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) :
فيها مسألتان :
المسألة الأولى ـ قد بيّنا الحكمة والحكم في سورة البقرة من كتابنا هذا ، وفي غيره من الكتب ، وأوضحنا وجوهها ومتصرّفاتها ومتعلقاتها كلّها ، وأجلّها مرتبة النّبوة.
المسألة الثانية ـ في المراد بالحكم هاهنا ، وفيه ثلاثة أقوال :
الأول ـ الوحى. والثاني النبوّة. والثالث المعرفة والعمل بها.
وهذا كلّه محتمل يفتقر إلى تحقيق ، فأما من قال : إنه الوحى فجائز أن يوحى الله إلى الصغير ، ويكاشفه بملائكته وأمره ، وتكون هذه المكاشفة نبوّة غير مهموزة رفعة ومهموزة إخبارا ، ويجوز أن يرسله إلى الخلق كامل العقل والعلم مؤيّدا بالمعجزة ، ولكن لم يرد بذلك خبر ، ولا كان فيمن تقدم. وقول عيسى (٣) : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) إخبار عما وجب له حصوله ، لا عما حصل بعد.
وأما العلم والعمل فقد روى ابن وهب ، عن مالك في قوله : (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا).
قال عيسى : أوصيكم بالحكمة ، والحكمة في قول مالك هي طاعة الله ، والاتباع لها ، والفقه في الدين والعمل به ، وقال : ويبيّن ذلك أنّك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا ذا بصر فيها ، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيرا به ، يؤتيه الله إياه ، ويحرمه هذا ، فالحكمة الفقه في دين الله.
__________________
(١) آية ٤.
(٢) آية ١٢.
(٣) آية ٣٠ من السورة.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
