المسألة السادسة ـ قال قوم : أىّ فائدة لهذا الاستثناء وهو حقيق واقع لا محالة ، لأنّ الدليل قد قام ، وكلّ أحد قد علم بأنّ ما شاء الله كان.
قلنا : عنه أربعة أجوبة :
الأول ـ أنه تعبّد من الله ، فامتثاله واجب ، لالتزام النبىّ صلى الله عليه وسلم له ، وانقياده إليه ، ومواظبته عليه.
الثاني ـ أنّ المرء قد اشتمل عقده على أنه إن شاء الله كان ما وعد بفعله أو تركه ، واتصل بكلامه في ضميره ، فينبغي أن يتصل ذلك من قوله في كلامه بلسانه ، حتى ينتظم اللسان والقلب على طريقة واحدة.
الثالث ـ أنه شعار أهل السنة ، فتعيّن الإجهار به ، ليميّز من أهل البدعة.
الرابع ـ أن فيه التنبيه على ما يطرأ في العواقب بدفع أو تأت ، ورفع الإبهام المتوقع بقطع العقل المطلق في الاستغناء عن مشيئة الله سبحانه.
وهذه كانت فائدة الاستثناء دخلت في اليمين بالله رخصة ، وبقيت سائر الالتزامات على الأصل ، ولهذا يروى عن بعض المتقدمين أنه قال لعبده : أنت حر إن شاء الله ، فهو حرّ ، لأنه قربة. ولو قالها في الطلاق لم تلزم ، لأنه أبغض الحلال إلى الله.
وهذا ضعيف ، لأنه إن كان الاستثناء برفع العقد الملتزم في اليمين بالله والطلاق فليرفعه في العتق ، وإن كانت رخصة في اليمين بالله لكثرة ترددها فلا يقاس على الرّخص.
المسألة السابعة ـ هذه الآية حجزة بين الكفر والإيمان والبدعة والسنة ، وذلك أنّ الله أدّب رسوله عليه السلام بربط الأمور بمشيئة الله ، تقدّس وتعالى ، وأجمعت الأمّة على أنّ الرجل لو قال لرجل آخر له عليه حقّ : والله لأعطينّك حقّك غدا إن شاء الله ، فجاء الغد ، ولم يعطه شيئا أنه لا حنث عليه في يمينه ، ولا يلحقه فيه كذب ، والتأخير معصية من الغنى القادر ، ولو كان الله لم يشأ التأخير ، لأنه معصية ، وهو لا يشاء المعاصي ، كما يقولون ، إذن كان يكون الحالف كاذبا حانثا. ألا ترى أنه لو قال : والله لأعطينّك حقّك إن عشت غدا ، فعاش فلم يعطه كان حانثا كاذبا.
(١٣ ـ أحكام ـ ٣)
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
