صوته يظنّ الذي يسمع أنهم لا يسمعون من قراءته شيئا وسمع هو شيئا منهم أصاخ له يسمع منه (١) ، فقيل له : لا تجهر بصلاتك فيتفرّقوا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يسترق السمع ، رجاء أن يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به الوسنان.
قال محمد بن سيرين : كان أبو بكر يخافت ، وعمر يجهر ، فقيل : لأبى بكر في ذلك ، فقال : أسمع من أناجى. وقيل (٢) لعمر فيه ، فقال : أوقظ الوسنان ، وأطرد الشيطان ، وأذكر الرحمن. فقيل (٣) لأبى بكر : ارفع قليلا. وقيل لعمر : اخفض قليلا ، وذكر هذا عند قوله تعالى : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها).
المسألة الثانية ـ عبّر الله هاهنا بالصلاة عن القراءة ، كما عبّر بالقراءة عن الصلاة في قوله (٤) : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) ، لأنّ كلّ واحد منهما مرتبط بالآخر ، الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود ، فهي من جملة أجزائها ، فيعبّر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء ، على عادة العرب في المجاز ، وهو كثير.
المسألة الثالثة ـ في تتبع الأسباب بالتنقيح :
أما روايات ابن عباس فأصحّهها الأول. وأما رواية عائشة فيعضدها ما روى أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم كان في مسير ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تدعون أصمّ ، ولا غائبا ، وإنما تدعون سميعا قريبا ، إنه بينكم وبين رءوس رحالكم.
وأما الثالث فإن صحّ الأول فيكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد أمته ، إذ لا يجوز عليه شيء من ذلك.
وأما الرابع فمحتمل ، لكنه لم يصح.
وأما حديث أبى بكر وعمر فيشبه الحديث الوارد في الدعاء ، ولعل ذلك محمول على الزيادة في الجهر ، حتى يضرّ ذلك بالقارئ ، ولا يمكنه التمادي عليه ، فأخذ بالوسط من الجهر التعب والإسرار المخافت. وقد رأيت بعض العلماء قال فيها قولا سادسا ، وهو : لا تجهر بصلاتك بالنهار ، ولا تخافت بها بالليل ، وابتغ بين ذلك سبيلا سنّها الله لنبيه ، وأوعزتها إليكم.
__________________
(١) هكذا بالأصل. وفي ابن كثير : خفض صوته صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا فأنزل الله ...
(٢) في ا : وقال. والمثبت من القرطبي.
(٣) في القرطبي : فلما نزلت هذه الآية قيل لأبى بكر : ارفع قليلا ...
(٤) سورة الإسراء ، آية ٧٨
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
