فقال : دعهما يا أبا بكر ، فإنه يوم عيد. فلم ينكر النبىّ صلى الله عليه وسلم على أبى بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان ، وذلك لأنّ المباح قد يستدرج به الشيطان إلى المعصية أكثر وأقرب إلى الاستدراج إليها بالواجب ، فيكون إذا تجرّد مباحا ، ويكون عند الدوام وما تعلّق به الشيطان من المعاصي حراما ، فيكون حينئذ مزمار الشيطان. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ، فذكر الغناء والنّوح. وقدمنا شرح ذلك كله.
المسألة الثالثة ـ قوله : (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) ، وذلك قوله (١) : (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ). وهذا تفسير أن صوته أمره بالباطل ، ودعاؤه إليه على العموم ، ويدخل فيه ما كانت العرب تدينه من تحريم بعض الأموال على بعض الناس وبعض الأولاد ، حسبما تقدم في سورة الأنعام ، ويدخل فيه ما شرحناه في قوله في سورة الأعراف (٢) : (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما). وقد أوضحنا ذلك كله.
الآية الرابعة ـ عشرة ـ قوله تعالى (٣) : (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً).
قد بينا أن ركوب البحر جائز على العموم والإطلاق ، وقسمنا وجوه ركوبه في مقاصد الخلق به ، وذكرنا أن من جملته التجارة وجلب المنافع من بعض البلاد إلى بعض ، وهذا تصريح بذلك في هذه الآية بقوله : (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) يعنى التجارة ، كما قال تعالى(٤): (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ). وقال (٥) : (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ). ولا خلاف أن ذلك في هاتين الآيتين التجارة. فكذلك هذه الآية ، وكذلك يدل قوله (٦) : (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) على جواز ركوبه أيضا ، وهي الآية
__________________
(١) سورة النساء ، آية ١١٨.
(٢) سورة الأعراف ، آية ١٨٩.
(٣) آية ٦٦.
(٤) سورة الإسراء ، آية ١٢.
(٥) سورة الجمعة ، آية ١٠.
(٦) آية ٧٠ من هذه السورة.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
