الآية على العموم في حقّ الفلاسفة ، وتكون على المخصوص فيما وراءهم ، ممّن أدرك شيئا من تسبيحهم ، ولذلك قال تعالى (١) : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) ، فجعل تصريف الظل ذلّا ، وعبّر عنه بالسجود ، وهي غاية المذلة لمن له بالحقيقة وحدة العزّة ، وهذا توقيف نفيس للمعرفة ، فإذا انتهيتم إليه عارفين بما تقدم من بياننا فقفوا عنده ، فليس وراءه مزيد ، إلا في تفصيل الإيمان والتوحيد. وذلك مبين في كتب الأصول ، والله أعلم.
الآية الثالثة عشرة ـ قوله تعالى (٢) : (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً).
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ قوله : (وَاسْتَفْزِزْ) ، فيه قولان :
أحدهما ـ استخفّهم.
الثاني ـ استجهلهم.
ولا يخفّ إلا من يجهل ، فالجهل تفسير مجازىّ ، والخفة تفسير حقيقى.
المسألة الثانية ـ قوله : (بِصَوْتِكَ) ، فيه ثلاثة أقوال :
الأول ـ بدعائك.
الثاني ـ بالغناء والمزمار.
الثالث ـ كل داع دعاه إلى معصية الله ، قاله ابن عباس.
فأما القول الأول فهو الحقيقة ، وأما الثاني والثالث فهما مجازان ، إلا أنّ الثاني مجاز خاصّ ، والثالث مجاز عام.
وقد دخل أبو بكر بيت عائشة ، وفيه جاريتان من جواري الأنصار تغنّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث ، فقال : أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
__________________
(١) سورة الرعد ، آية ١٥.
(٢) آية ٦٤.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
