أشجارك ، وجنى ثمارك ، وأجرى أنهارك ، فإن لم تجبك جؤارا أجابتك اعتبارا. وكما قال شاعرهم عن شجرة :
|
ربّ ركب قد أناخوا حولنا |
|
يشربون الخمر بالماء الزلال |
|
سكت الدهر زمانا عنهم |
|
وكذاك الدهر حالا بعد حال |
وذلك ما لا يحصى كثرة ، وهو عندهم من البديع في الفصاحة ، والغاية في البلاغة.
وإن قلنا : إن تسبيح البرق لمعانه ، والرعد هديره ، والماء خريره ، والباب صريره ، فنوع من الدلالة ، ووجه من التسمية بالمجاز ظاهر.
وإن قلنا : إن كل ذي روح يسبّح بنفسه وصورته ، فمثله في الدلالة وفي المجاز في التسمية.
وإن قلنا : إنّ الطعام يسبّح التحق بالجماد في المعنى والعبارة عنه كما تقدم.
وإن قلنا : إن لكل شيء تسبيحا ربّنا به أعلم ، لا نعلمه نحن ، أخذا بظاهر القرآن ـ لم نكذب ، ولم نغلط ، ولا ركبنا محالا في العقل ، ونقول : إنها تسبّح دلالة وتذكرة وهيئة ومقالة ، ونحن لا نفقه ذلك كله ، ولا نعلم ، إنما يعلمه من خلقه ، كما قال : ألا يعلم من خلق. وقد مهدنا القول في ذلك في شرح الحديث عند قوله : شكت النار إلى ربها فقالت : يا رب ، أكل بعضى بعضا ـ هل هو بكلام ، أو على تقدير قوله : امتلأ الحوض وقال قطني ، والكلّ جاء من عندنا ، وربنا عليه قادر.
وأكمل التسبيح تسبيح الملائكة والآدميين والجنّ ، فإنه تسبيح مقطوع بأنه كلام معقول ، مفهوم للجميع بعبارة مخلصة ، وطاعة مسلمة ، وأجلّها ما اقترن بالقول فيها فعل من ركوع أو سجود أو مجموعهما ، وهي صلاة الآدميين ، وذلك غاية التسبيح ، وبه سمّيت الصلاة سبحة.
فإن قيل : فما معنى قوله : (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)؟
قلنا : أما الكفّار المنكرون للصانع فلا يفقهون من وجوه التسبيح في المخلوقات شيئا كالفلاسفة ، فإنهم جهلوا دلالتها على الصانع ، فهم لما وراء ذلك أجهل.
وأما من عرف الدلالة وفاته ما وراءها فهو يفقه وجها ويخفى عليه آخر ، فتكون
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
