الثاني ـ تذكرتها للتسبيح بها.
الثالث ـ كلّ شيء له يسبح : لمح البرق ، وصريف الرعد ، وصرير الباب ، وخرير الماء.
الرابع ـ قال قتادة والحسن : كلّ ذي روح يسبّح.
الخامس ـ قال النخعي وغيره : الطعام يسبّح.
السادس ـ قال أكثر الناس ، من قراء القرآن والحديث : كلّ شيء يسبح تسبيحا لا يعلمه الآدميون.
المسألة الثانية ـ اعلموا نوّر الله بصائركم بعرفانه أنّ هذه مسألة كثر الخوض فيها بين الناس. وقد أوضحناها في كتاب المشكلين على مقتضى أدلّة المعقول والمنقول ، وترتيب القول هاهنا أنه ليس يستحيل أن يكون للجمادات ـ فضلا عن البهائم ـ تسبيح بكلام ، وإن لم نفقهه نحن عنها ، إذ ليس من شرط قيام الكلام بالمحل عند أهل السنة هيئة آدمية ، ولا وجود بلّة ولا رطوبة ، وإنما تكفى له الجوهرية أو الجسمية خلافا للفلاسفة وإخوتهم من القدرية الذين يرون الهيئة الآدمية والبلة والرطوبة شرطا في الكلام ، فإذا ثبت هذا الأصل بأدلّته التي تقررت في موضعه ، وبأن كلّ عاقل يعلم أنّ الكلام في الآدميين عرض يخلقه الله فيهم ، وليس يفتقر العرض إلا لوجود جوهر أو جسم يقوم به خاصة ، وما زاد على ذلك من الشروط فإنما هي عادة ، وللباري تعالى نقض العادة وخرقها بما شاء من قدرته لمن شاء من مخلوقاته وبريّته. ولهذا حنّ الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسبّح الحصى في كفّه وكفّ أصحابه ، وكان بمكة حجر يسلّم عليه قبل أن يبعث ، وكانت الصحابة تسمع تسبيح الطعام ببركته صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن لذلك كله هيئة ، ولا جدت له رطوبة ولا بلة ، وعلى إنكار هذه المعجزات وإبطال هذه الآيات حامت بما ابتدعته من المقالات ، فيعلم كلّ أحد أنّ دلالة المخلوقات على الخالق ظاهرة ، وتذكرته للمؤمنين من الآدميين والمسبّحين من المخلوقين بينة.
وهذا وإن سمى تسبيحا فذلك شائع لغة ، كما كانت العرب تعبّر عن لسان الحال بلسان المقال ، فتقول : يشكو إلىّ جملي طول السّرى. وكما قالت : قف بالديار فقل : يا ديار من غرس
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
