اعمد إلى تلك البقر ، فسقها فإنها من ذلك الفرق فساقها. فإن كنت فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا ، فانساحت (١) عنهم الصخرة.
فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكانت لي غنم ، وكنت آتيهما في كل ليلة بلبن غنم لي ، فأبطأت عنهما ذات ليلة ، فأتيتهما وقد رقدا وأهلى وعيالي يتضاغون من الجوع ، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواى ، فكرهت أن أوقظهما من رقدتهما ، وكرهت أن أرجع فيستيقظا لشربهما ، فلم أزل أنتظرهما حتى طلع الفجر ، فقاما فشربا ، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا ، فانساحت عنهم الصخرة ، حتى نظروا إلى السماء.
فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحبّ الناس إلىّ ، وأنى راودتها عن نفسها فأبت على إلّا أن آتيها بمائة دينار ، فطلبتها حتى قدرت عليها ، فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتنى من نفسها ، فلما قعدت بين رجليها قالت لي : اتق الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقّه. فقمت عنها ، وتركت لها المائة دينار ، فإن كنت تعلم أنّى تركت ذلك من خشيتك فافرج عنا ، ففرج الله عنهم ، وخرجوا يمشون.
ومن تمام برّ الأبوين صلة أهل ودّهما ، لما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (٢) : إنّ أبرّ البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه.
وروى عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : رضا الرب في رضا الوالدين ، وسخط الرب في سخط الوالدين. خرجهما الترمذي.
ولذلك عدل عقوقهما الإشراك بالله في الإثم ، وهذا يدلّ على أن برّهما قرين الإيمان في الأجر. والله أعلم.
وقد أخبرنا الشريف الأجل أبو القاسم علىّ بن أبى الحسن الشاشي بها ، قال : حدثنا أبو محمد الجوهري في كتابه ، أنبأنا أبو القاسم عيسى بن على بن عيسى الوزير ، حدثنا عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن أسيد ، عن أبيه على بن عبيد ، عن أبى أسيد ، وكان بدريّا ، قال: كنت عند النبي
__________________
(١) انساحت : اتسعت واندفعت (النهاية).
(٢) صحيح مسلم : ١٩٧٩.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
