ولم يشرع فيه الصيام ، وشرع فيه الذكر والدعاء ، فوجب الاقتفاء لسنته ، والاقتصار على ما أبان من شرعته ، والفرار عن الرهبانية المبتدعة ، والخشية من الباطل المذموم على لسان الرسول.
المسألة الخامسة ـ قوله : فيه خلق آدم ، يعنى جمع فيه خلقه ، ونفخ فيه الرّوح ، وهذا فضل بيّن. وقوله : فيه أهبط إلى الأرض. يخفى وجه الفضل فيه ، ولكن العلماء أشاروا إلى أنّ وجه التفضيل فيه أنه تيب عليه من ذنبه ، وهبط إلى الأرض لوعد ربه ، حين قال : إنّى جاعل في الأرض خليفة. فلما سبق الوعد به حققه الله له في ذلك ، ونفاذ الوعد خير كثير ، وفضل عظيم ، ووجه الفضل في موته أنّ الله جعل له ذلك اليوم للقائه.
فإن قيل : فقد جعل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وقتا للقائه.
قلنا : يكون هذا أيضا فضلا ، يشترك فيه مع يوم الجمعة ، ويبقى ليوم الجمعة فضله الذي أعطاه الله له زائدا على سائر أيام الجمعة ، ومن شارك شيئا في وجه ، وساواه فيه لا يمتنع أن يفضله في وجوه أخر سواه.
وأما وجه تفضيله في قيام الساعة فيه فلأن يوم القيامة أفضل الأيام ، فجعل قدومه في أفضل الأوقات ، وتكون فاتحته ، في أكرم أوقات سائر الأيام ، ومن فضله استشعار كلّ دابّة ، وتشوّقها إليه ، لما يتوقع فيه من قيام الساعة ، إذ هو وقت فنائها ، وحين اقتصاصها وجزائها ، حاش الجنّ والإنس اللذين ركبت فيهما الغفلة التي تردد فيها الآدمي بين الخوف والرجاء ، وهما ركنا التكليف ، ومعنى القيام بالأمر والنهى ، وفائدة جريان الأعمال على الوعد والوعيد ، وتمام الفضل ، ووجه الشرف تلك الساعة التي ينشر الباري فيها رحمته ، ويفيض في الخلق نيله ، ويظهر فيها كرمه ، فلا يبقى داع إلّا يستجيب له ، ولا كرامة إلا ويؤتيها ، ولا رحمة إلا يبثها لمن تأهّب لها ، واستشعر بها ، ولم يكن غافلا عنها.
ولما كان وقتا مخصوصا بالفضل من بين سائر الأوقات قرنه الله بأفضل الحالات للعبد ، وهي حالة الصلاة ، فلا عبادة أفضل منها ، ولا حالة أخصّ بالعبد من تلك الحالة ، لأنّ الله جمع فيها عبادات الملائكة كلّهم ، إذ منهم قائم لا يبرح عن قيامه ، وراكع لا يرفع عن
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
