ركوعه ، وساجد لا يتفصّى (١) من سجوده ، فجمع الله لبنى آدم عبادات الملائكة في عبادة واحدة.
وقد جاء في الحديث : إنّ العبد إذا نام في سجوده باهى الله به ملائكته ، يقول : يا ملائكتي ، انظروا عبدى ، روحه عندي ، وبدنه في طاعتي. وصارت هذه الساعة في الأيام كليلة القدر في الليالى في معنى الإبهام ، لما بيناه من قبل في أنّ إبهامها أصلح للعباد من تعيينها لوجهين :
أحدهما ـ أنها لو علمت وهتكوا حرمتها ما أمهلوا ، وإذا أبهمت عليهم عمّ عملهم اليوم كلّه والشهر كله ، كما أبهمت الكبائر في الطرف الآخر ، وهو جانب السيئات ، ليجتنب العبد الذنوب كلّها ، فيكون ذلك أخلص له ، فإذا أراد العبد تحصيل ليلة القدر فليقم الحول على رأى ابن مسعود ، أو الشهر كلّه على رأى آخرين ، أو العشر الأواخر على رأى كلّ أحد.
ولقد كنت في البيت المقدّس ثلاثة أحوال (٢) ، وكان بها متعبّد يترصّد ساعة الجمعة في كل جمعة ، فإذا كان هذا يوم الجمعة مثلا خلا بربّه من طلوع الفجر إلى الضحى ، ثم انصرف ، فإذا كان في الجمعة الثانية خلا بربه من الضحى إلى زوال الشمس ، فإذا كان في الجمعة الثالثة خلا بربه من زوال الشمس إلى العصر ، ثم انقلب ، فإذا كان في الجمعة الرابعة خلا بربه من العصر إلى مغرب الشمس ، فتحصل له الساعة في أربع جمع ، فاستحسن الناس ذلك منه.
وقال لنا شيخنا أبو بكر الفهري : هذا لا يصحّ له ، لأنّ من الممكن أن تكون في اليوم الذي يرصدها من الزوال إلى العصر تكون من العصر إلى الغروب ، وفي اليوم الذي تكون من العصر إلى الغروب يترصّدها هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إلى الضحى ، إذ يمكن أن تنتقل في كل جمعة ، ولا تثبت على ساعة واحدة في كل يوم ، يشهد لصحة ذلك انتقال ليلة القدر في ليالي الشهر فإنها تكون في كل عام في ليلة ، لا تكون فيها في العام الآخر.
__________________
(١) تفصيت من الأمر تفصيا : إذا خرجت منه وتخلصت.
(٢) الحول : السنة ، وجمعه أحوال.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
