ولم يصبر بعض ، فقتلت سمية ، وافتتن عمار في ظاهره دون باطنه ، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية.
الثانية ـ قال عكرمة : نزلت الآية في قوم أسلموا بمكة ، ولم يمكنهم الخروج ، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرها فقتلوا. قال : وفيهم نزلت (١) : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ، فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً).
الثالثة ـ قال مجاهد : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وبلال ، وخبّاب ، وعمار ، وصهيب ، وسميّة ، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه ، وأما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ، وأوقفوهم (٢) في الشمس ، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ ، من حرّ الحديد والشمس ، فلما كان من العشاء (٣) أتاهم أبو جهل ، ومعه حربة فجعل يشتمهم ويوبّخهم ، ثم أتى سميّة فطعن بالحرية في قبلها حتى خرجت من فمها ، فهي أول شهيد استشهد في الإسلام.
وقال الآخرون : ما سألوهم إلا بلالا ، فإنه هانت عليه نفسه ، فجعلوا يعذّبونه ويقولون له : ارجع إلى ربّك ، وهو يقول : أحد أحد ، حتى ملّوه ، ثم كتّفوه ، وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبى مكة (٤) ، حتى ملّوه وتركوه ، فقال عمار : كلنا قد تكلّم بالذي قالوا له ، لو لا أنّ الله تداركنا ، غير بلال ، فإنه هانت عليه نفسه في الله ، فهان على قومه ، حتى تركوه ، فنزلت هذه الآية في هؤلاء.
والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه.
المسألة السادسة ـ لما سمع الله تعالى في الكفر به ، وهو أصل الشريعة ، عند الإكراه ، ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ،
__________________
(١) آية ٩٧ ، ٩٨ من سورة النساء.
(٢) في القرطبي : ثم صهروهم في الشمس.
(٣) في القرطبي : من العشى.
(٤) الأخشبان : الجبلان المطبقان بمكة ، وهما أبو قبيس والأحمر (ياقوت).
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
