ولما كان هذا أمرا متّفقا عليه عند الأئمة ، مشهورا عند العلماء ألّف في ذلك شيخ اللغة ورئيسها أبو بكر بن دريد كتاب الملاحن للمكرهين ، فجاء ببدع في العالمين ، ثم ركب عليه المفجع الكابت ، فجمع في ذلك مجموعا وافرا حسنا ، استولى فيه على الأمد ، وقرطس (١) الغرض.
المسألة الثالثة ـ هذا يدلّ على أنّ الكفر ليس بقبيح لعينه وذاته ، إذ لو كان كذلك لما حسّنه الإكراه ، ولكنّ الأمر كما قاله علماؤنا من أهل السنة أنّ الأشياء لا تقبح لذواتها ولا تحسن لذواتها ، وإنما تقبح وتحسن بالشرع ، فالقبيح ما نهى الشرع عنه ، والحسن ما أمر الشرع به.
والدليل على صحة ذلك أنّ القتل الواقع اعتداء يماثل القتل المستوفى قصاصا في الصورة والصفة ، بدليل أنّ الغافل عن سببهما لا يفرق بينهما ، وكذلك الإيلاج في الفرج عن نكاح ، يماثل الإيلاج عن سفاح في اللّذات والحركات ، إنما فرق بينهما الإذن ، وكذلك الكفر الذي يصدر عن الإكراه يماثل الصادر عن الاختيار ، ولكن فرّق بينهما إذن الشّرع في أحدهما وحجره في الآخر ، وقد أحكمنا ذلك في كتب الأصول.
المسألة الرابعة ـ إنّ الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد ، ولا خلاف في ذلك ، وعليه تدلّ آثار الشريعة التي يطول سردها ، وإنما وقع الإذن رخصة من الله رفقا بالخلق ، وإبقاء عليهم ، ولما في هذه الشريعة من السماحة ، ونفى الحرج ، ووضع الإصر.
المسألة الخامسة ـ قد آن الآن أن نذكر سبب نزول هذه الآية المكية ، وفي ذلك ثلاث روايات (٢) :
الأولى ـ أنها نزلت في عمار بن ياسر ، وأمه سميّة ، وخبّاب بن الأرتّ ، وسلمة بن هشام ، والوليد بن الوليد ، وعياش بن أبى ربيعة ، والمقداد بن الأسود ، وقوم أسلموا ، ففتنهم المشركون عن دينهم ، فثبت بعضهم على الإسلام ، وافتتن بعضهم ، وصبر بعضهم على البلاء
__________________
(١) قرطس : أصاب.
(٢) أسباب النزول : ١٦٢.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
