لابن الماجشون ، فإنه ألزمه الحدّ ، لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصوّر عليها إكراه ، ولكنه غفل عن السبب في باعث الشهوة ، وأنه باطل (١).
وإنما وجب الحدّ على شهوة بعث عليها سبب اختياري ، فقاس الشيء على ضده ، فلم يحل (٢) بصواب من عنده.
وأما الكفر بالله فذلك جائز له بغير خلاف ، على شرط أن يلفظ بلسانه ، وقلبه منشرح بالإيمان ، فإن ساعد قلبه في الكفر لسانه كان آثما كافرا ، لأن الإكراه لا سلطان له في الباطن ، وإنما سلطته على الظاهر ، بل قد قال المحقون من علمائنا : إنه إذا تلفظ بالكفر إنه لا يجوز له أن يجرى على لسانه إلّا جريان المعاريض (٣) ، ومتى لم يكن كذلك كان كافرا أيضا. وهو الصحيح ، فإن المعاريض أيضا لا سلطان للإكراه عليها ، مثاله أن يقال له : اكفر بالله ، فيقول : أنا كافر بالله ، يريد باللاهى ، ويحذف الياء كما تحذف من الغازي والقاضي والرامي ، فيقال : الغاز والقاض والرام. وكذلك إذا قيل له : اكفر بالنبي ، فيقول : هو كافر بالنبي ، وهو يريد بالنبي المكان المرتفع من الأرض.
فإن قيل له : اكفر بالنبىء مهموزا ، فيقول : أنا كافر بالنبىء بالهمز ، ويريد به المخبر أىّ مخبر كان ، أو يريد به النبىء الذي قال فيه الشاعر :
|
فأصبح رتما (٤) دقاق الحصى |
|
مكان النبىء من الكاثب |
ولذلك يحكى عن بعض العلماء من زمن فتنة أحمد بن حنبل على خلق القرآن أنه دعى إلى أن يقول بخلق القرآن ، فقال : القرآن والتوراة والإنجيل والزّبور ـ يعدّدهن بيده ـ هذه الأربعة مخلوقة ، يقصد هو بقلبه أصابعه التي عدّد بها ، وفهم الذي أكرهه أنه يريد الكتب الأربعة المنزّلة من الله على أنبيائه ، فخلص في نفسه ، ولم يضره فهم الذي أكرهه.
__________________
(١) في القرطبي : وهو الذي أسقط حكمه.
(٢) لم يحل بطائل : لم يظفر ولم يستفد منها كبير فائدة.
(٣) المعاريض : التورية عن الشيء بالشيء ، وأعراض الكلام ومعارضه ومعاريضه : كلام يشبه بعضه بعضا في المعاني.
(٤) الرتم ـ بالتاء والثاء : الدق والكسر. ويريد بالنبىء : المكان المرتفع. والكاثب : الرمل لمجتمع.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
