الخلق فيها ، فقد كان النبىّ صلى الله عليه وسلم يتعبّد بغار حراء ، ويمكث فيه الليالى ذوات العدد ، ويتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى أهله وقد خرج مهاجرا إلى ربّه ، هاربا من قومه ، فارّا بدينه من الفتن مع أصحابه ، واستحصن بغار ثور ، وأقام فيه ثلاث ليال مع الصدّيق صاحبه ، ثم أمضى هجرته ، وأنفذ عزمته حتى انتهى إلى دار هجرته.
وقد قيل : أراد به السهل والجبال ، ولكنه حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه ، كما قال الشاعر :
|
وما أدرى إذا يمّمت أرضا |
|
أريد الخير أيهما يليني |
|
أالخير الذي أنا مبتغيه |
|
أم الشرّ الذي هو يبتغينى |
وكما قال في الحر بعد هذا : (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، أراد والبرد ، فحذف ، لأن ما بقي أحدهما بقي الآخر.
المسألة الثالثة ـ قوله : (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ).
والسّربال : كلّ ما ستر باللباس من ثوب من صوف أو وبر أو شعر أو قطن أو كتان.
وهذه نعمة أنعم الله بها على الآدمي ، فإنه خلقه عاريا ، ثم جعله بنعمته بعد ذلك كاسيا ، وسائر الحيوانات سرابيلها جلودها أو ما يكون من صوف أو شعر أو وبر عليها ، فشرّف الآدمي بأن كسى من أجزاء سواه.
المسألة الرابعة ـ قوله تعالى : (وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) يعنى دروع الحرب ، منّ الله بها على العباد عدّة للجهاد ، وعونا على الأعداء ، وعلّمها ، كما علم صنعة غيرها ، ولبسها النبىّ صلى الله عليه وسلم حين ظاهر يوم أحد بين درعين ، تقاة الجراحة ، وإن كان يطلب الشهادة ، كما يعدّ السيف والرمح والسهم للقتل بها لغيره ، والمدافعة بها عن نفسه ، ثم ينفذ الله ما شاء من حكمه ، وليس على العبد أن يطلب الشهادة بأن يستقتل مع الأعداء ، ولا بأن يستسلم للحتوف ، ولكنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ويأخذ حذره ، ويسأل الله الشهادة خالصا من قلبه ، ويعطيه الله بعد ما سبق في علمه ، وهذا معنى قوله :
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
