وقد عوّل الشيخ أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أنّ الشعر والصوف والوبر جزء متّصل بالحيوان اتصال خلقة ، ينمى بنمائه ، فينجس بموته ، كسائر الأجزاء.
وأجاب عن ذلك علماؤنا بأنّ النماء ليس بدليل على الحياة ، فإن النبات ينمى وليس بحىّ ، وإذا عوّلوا على النماء المتصل بالحيوان عوّلنا على الإبانة التي تدلّ على عدم الإحساس الذي يدلّ على عدم الحياة ، وقد استوفينا القول فيها في مسائل الخلاف ، وأشرنا إليه فيما تقدم ، وبمجموع هذه الأقوال يتحصّل العلم لكم ، ويخلص من الإشكال عندكم.
المسألة الثامنة ـ قوله : (وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها) ، ولم يذكر القطن ولا الكتّان ، لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به ، وإنما عدّد عليهم ما أنعم به عليهم ، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا ، وما قام مقام هذه وناب منابها يدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها ، وهذا كقوله (١) : (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ) ، فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم ، وسكت عن ذكر الثلج لأنه لم يكن في بلادهم ، وهو مثله في الصفة والمنفعة ، وقد ذكرهما النبىّ صلى الله عليه وسلم معا في التطهير فقال : اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد ، ونقّنى من الذنوب والخطايا ، كما ينقى الثوب [الأبيض] (٢) الدنس بالماء.
الآية الثالثة عشرة ـ قوله تعالى (٣) : (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً ، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ، وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ).
فيها أربع مسائل :
المسألة الأولى ـ عدّد الله في هذه الآية من نعمه ما شرح فيها حاله ، فمنها الظلال تقى من حرّ الشمس الذي لا تحتمله الأبدان ، ولا يبقى معه ولا دونه الإنسان ، من شجر وحجر وغمام ، ومن جملتها الجبال ، وهي :
المسألة الثانية ـ خلقها الله عدّة للخلق ، يأوون إليها ، ويتحصّنون بها ، ويعتزلون
__________________
(١) سورة النور ، آية ٤٣.
(٢) من م.
(٣) آية : ٨١.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
