(لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) بفتح التاء على [قراءة] (١) من قرأها كذلك ، ومن قرأها بالضم فمعناه لعلكم تنقادون إلى طاعته شكرا على نعمه.
الآية الرابعة عشرة ـ قوله تعالى (٢) : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
فيها ست مسائل :
المسألة الأولى ـ قوله : (بِالْعَدْلِ) ، وهو مع العالم ، وحقيقته التوسّط بين طرفي النّقيض ، وضدّه الجور ، وذلك أنّ الباري خلق العالم مختلفا متضادّا متقابلا مزدوجا ، وجعل العدل في اطراد الأمور بين ذلك على أن يكون الأمر جاريا فيه على الوسط في كل معنى ، فالعدل بين العبد وربه إيثار حقّ الله على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر ، والامتثال للأوامر.
وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها عما فيه هلاكها ، كما قال تعالى (٣) : (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى) ، وعزوب الأطماع عن الاتباع ، ولزوم القناعة في كل حال ، ومعنى.
وأما العدل بينه وبين الخلق ففي بذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قلّ وكثر ، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ، ولا يكون منك إلى أحد مساءة بقول ولا فعل ، لا في سرّ ولا في علن ، حتى بالهمّ (٤) والعزم ، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى ، وأقل ذلك الإنصاف من نفسك وترك الأذى.
المسألة الثانية ـ الإحسان ، وهو في العلم والعمل.
فأما في العلم فبأن تعرف حدوث نفسك ونقصها ، ووجوب الأولية (٥) لخالقها وكماله.
وأما الإحسان في العمل فالحسن ما أمر الله به ، حتى إنّ الطائر في سجنك ، والسّنور في دارك ، لا ينبغي أن تقصّر في تعهّده ، فقد ثبت في الصحيح عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنّ امرأة دخلت النار في هرّة حبستها لا هي سقتها ولا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش (٦) الأرض.
__________________
(١) من م.
(٢) آية ٩٠.
(٣) سورة النازعات ، آية ٤٠.
(٤) في م : حتى في الهم.
(٥) في م : الإلهية.
(٦) خشاش الأرض ـ مثلث إخاء : هوام الأرض وحشراتها. والحديث في صحيح مسلم : ١٧٦٠.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
