واختلف (١) الفقهاء بحسب اختلاف التأويل ، فقال مالك وأبو حنفية : إنّ الموت لا يؤثر في تحريم الصوف والوبر ، والشعر ، لأنه لا يلحقها ، إذ الموت عبارة عن معنى يحل بعد عدم الحياة ، ولم تكن الحياة في الصوف والوبر والشعر فيخلفها (٢) الموت فيها.
وقال الشافعى : إنّ ذلك كلّه يحرم بالموت ، لأنه جزء من أجزاء الميتة. وقد قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ). وذلك عبارة عن الجملة ، وإن كان الموت يحلّ ببعضها.
والجواب عن قوله هذا أنّ الميتة وإن كان اسما ينطلق على الجملة فإنه إنما يرجع بالحقيقة إلى ما فيه حياة (٣) ، فنحن على الحقيقة لا نعدل عنها إلى سواها.
وقد تعلّق إمام الحرمين من أصحابهم بأنّ الموت وإن كان لا يحلّ الصوف والوبر والشعر ، ولكن الأحكام المتعلقة بالجثة تتعدّى إلى هذه الأجزاء من الحلّ والحرمة والأرش ، وتتبعها (٤) في حكم الإحرام ، وغير ذلك من الأحكام ، فكذلك الطهارة والتنجيس.
وتحريره أن نقول : حكم من أحكام الشريعة متعلّق بالأجزاء من الجملة ، أصله سائر الأحكام المذكورة ، وهذا لا تعويل عليه ، فإنا بيّنا أنّ الحقيقة معنا ، وأما الأحكام فهي متعارضة ، فلئن شهد له ما ذكر من الأحكام على إتباع هذه الأجزاء للجملة فليشهدن لنا بانفصال هذه الأجزاء عن الجملة الحكم الأكبر ، وهي إبانتها عن الجثّة في حالة الحياة وإزالتها منها ، وهو دليل يعضدنا ظاهرا أو باطنا ، فلو كانت هذه الأجزاء تابعة في الجملة (٥) لتنجست بإبانتها عنها ، كأجزاء الأعضاء ، وإذا تعارضت الأحكام وجب الترجيح بالحقيقة ، على أن هذه الأحكام التي تعلّقوا بها لا حجة فيها ، أما الحلّ والحرمة فإنما يتعلقان باللذة ، وهي في الشّعر كما تكون في البدن.
وأما الإحرام فإنه يتعلق بإلقاء التّفث ، وإذهاب الزينة ، والشعر من ذلك الوصف.
وأما الأرش فإنه يتعلّق بإبطال الجمال تارة وإبطال المنفعة أخرى ، والجمال والمنفعة معا موجودان في الشّعر أو أحدهما ، بخلاف الطهارة والتنجيس ، فإنه حكم يترتّب على الحياة والموت ، وليس للصوف ولا للوبر ولا للشعر مدخل بحال.
__________________
(١) في هامش م : مسألة «في الشعر ، وهل ينجس بالموت».
(٢) في م : فيلحقها.
(٣) في م : بالحياة.
(٤) في ا : فتعلق.
(٥) في م : للجملة.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
