المسألة الخامسة ـ قد بيّنا أنّ هذه الآية عامة ، لا طريق للإجمال إليها ، فالسرقة تتعلق بخمسة معان : فعل هو سرقة ، وسارق ، ومسروق مطلق ، ومسروق منه ، ومسروق فيه. فهذه خمسة متعلقات يتناول الجميع عمومها إلا ما خصّه الدليل.
أما السرقة فقد تقدم ذكرها.
وأما السارق ـ وهي :
المسألة السادسة ـ فهو فاعل من السرقة ، وهو كلّ من أخذ شيئا على طريق الاختفاء عن الأعين ؛ لكن الشريعة شرطت فيه ستة معان :
العقل ؛ لأنّ من لا يعقل لا يخاطب عقلا.
والبلوغ ؛ لأن من لم يبلغ لا يتوجّه إليه الخطاب شرعا.
وبلوغ الدعوة ؛ لأنّ من كان حديث عهد بالإسلام ولم يثافن (١) حتى يعرف الأحكام ، وادعى الجهل فيما أتى من السرقة والزنا وظهر صدقه لم تجب عليه عقوبة ، كالأب في مال ابنه ، لما قدمناه من قوله صلى الله عليه وسلم : إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإنّ ولده من كسبه. ولذلك قلنا : إذا وطئ أمة ابنه لا حدّ عليه للشبهة التي له فيها ، والحدود تسقط بالشبهات ، فهذا الأب وإن كان جاء بصورة السرقة في أخذ المال خفية فإنّ له فيه سلطان الأبوة وتبسط الاستيلاء ، فانتصب ذلك شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات.
وأما متعلق المسروق ـ وهي :
المسألة السابعة ـ فهو كلّ مال تمتدّ إليه الأطماع ، ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به ، فإن منع منه الشرع لم ينفع تعلّق الطماعية فيه ، ولا يتصوّر الانتفاع منه ، كالخمر والخنزير مثلا.
وقد كان ظاهر الآية يقتضى قطع سارق القليل والكثير ؛ لإطلاق الاسم عليه وتصوّر المعنى فيه. وقد قال به قوم منهم ابن الزبير ، فإنه يروى أنه قطع في درهم. ولو صحّ ذلك عنه لم يلتفت إليه ؛ لأنه كان ذا شواذّ ، ولا يستريب اللبيب ، بل يقطع المنصف أنّ سرقة التافه لغو ، وسرقة الكثير قدرا أو صفة محسوب ، والعقل لا يهتدى إلى الفصل فيه بحدّ تقف المعرفة عنده ، فتولّى الشرع تحديده بربع دينار.
__________________
(١) ثافن : لازم.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
