وطريق النظر البديع أنّ القراءتين محتملتان ، وأن اللغة تقضى بأنهما جائزتان ، فردّهما الصحابة إلى الرأس مسحا ، فلما قطع بنا حديث النبي صلّى الله عليه وسلم ، ووقف في وجوهنا وعيده ، قلنا : جاءت السنة قاضية بأنّ النصب يوجب العطف على الوجه واليدين ، ودخل بينهما مسح الرأس ، وإن لم تكن وظيفته كوظيفتهما ، لأنه مفعول قبل الرجلين لا بعدهما ، فذكر لبيان الترتيب لا ليشتركا في صفة التطهير ، وجاء الخفض ليبيّن أنّ الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل ، وهما الخفّان بخلاف سائر الأعضاء ، فعطف بالنصب مغسولا على مغسول ، وعطف بالخفض ممسوحا على ممسوح ، وصحّ المعنى فيه.
فإن قيل : أنتم وإن قرأتموها بالنصب فهي عطف على الرءوس موضعا ، فإنّ الرءوس وإن كانت مجرورة لفظا فهي منصوبة معنى ، لأنها مفعولة ، فكيف قرأتها خفضا أو نصبا فوظيفتها المسح مثل الذي عطف عليه.
قلنا : يعارضه أنا وإن قرأناها خفضا ، وظهر أنها معطوفة على الرءوس فقد يعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما ، كقوله (١) :
|
علفتها تبنا وماء باردا |
|
ورأيت زوجك في الوغى (٢) |
|
متقلّدا سيفا ورمحا |
|
......... (٣) وأطفلت |
|
بالجلهتين ظباؤها ونعامها (٤) |
||
وكقوله :
شرّاب ألبان وتمر وأقط
تقديره : غلفتها تبنا وسقيتها ماء. ومتقلّدا سيفا وحاملا رمحا ، وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها. وشرّاب ألبان وآكل تمر وأقط.
فإن قيل : هاهنا عطف وشرك في الفعل وإن لم يكن به مفعولا اتكالا على فهم السامع للحقيقة.
__________________
(١) خزانة الأدب : ١ ـ ٢٠٠ ، ٣ ـ ١٢٥ ، والقرطبي : ٦ ـ ٩٥
(٢) في خزانة الأدب (١ ـ ٢٠٠) : يا ليت زوجك قد غدا.
(٣) من بيت للبيد كما في اللسان (جله) ، وأوله : فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ...
(٤) هكذا في اللسان والقرطبي والديوان ٢٩٨. وفي ل : ونعاجها. وفي شرح الديوان : ولا يقال أطفل النعام لأنه يبيض ولكنه ملحق بقوله : أطفلت ظباؤها.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
