وهذا قول باطل ، وسند ضعيف لا يخص بمثله العمومات المطلقة ، فكيف المعلّلة بالعلة العامة المتناولة لجميعها ، وهي الشرك؟
المسألة الخامسة ـ قال سعيد بن المسيّب : هذا القول والحكم إنما هو في المسجد الحرام. فأما مسجد المدينة فلا يزيد فضلا على غيره ؛ إذ قد دخل أبو سفيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك (١) عند إقباله لتجديد العهد قبل فتح مكة حين خشي نقض الصلح بما أحدثه بنو بكر على خزاعة.
قال القاضي (٢) : وهذا ضعيف ، ولو صحّ فإن الجواب عنه ظاهر ؛ وذلك أن دخول ثمامة في المسجد في الحديث الصحيح ، ودخول أبى سفيان فيه على الحديث الآخر كان قبل أن ينزل قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) ؛ فمنع الله المشركين من دخول المسجد الحرام نصّا ، ومنع من دخول سائر المساجد تعليلا بالنجاسة ، ولوجوب صيانة المسجد عن كلّ نجس.
وهذا كله ظاهر لا خفاء به.
المسألة السادسة ـ قال الشافعى : لا يدخل الكافر المسجد الحرام بحال ، ويدخل غيره من المساجد للحاجة ، كما دخل (٣) ثمامة وأبو سفيان.
وقال أبو حنيفة : يدخل المسجد لحاجة أو لغير حاجة ، وهذا كلّه ضعيف خطأ ، أما دخوله للحاجة فقد أفسدناه كما تقدم ، وأما دخولهم كذلك مطلقا فهو أبعد من تعليل أبى حنيفة وتدقيقه (٤).
ولقد كنت أرى بدمشق عجبا ، كان لجامعها بابان : باب شرقىّ ـ وهو باب جيزون ، وباب غربي ، وكان الناس يجعلونه طريقا يمشون عليها نهارهم كلّه في حوائجهم ، وكان الذمّى إذا أراد المرور وقف على الباب حتى يمرّ به مسلم ، مجتاز ، فيقول له الذمي : يا مسلم ، أتأذن لي أن أمرّ معك؟ فيقول : نعم ، فيدخل معه ، وعليه الغيار علامة أهل الذمة ، فإذا رآه القيّم صاح (٥) به : ارجع ، ارجع ، فيقول له المسلم : أنا أذنت له فيتركه القيم.
__________________
(١) في ا : المشرك.
(٢) هو المؤلف.
(٣) في ل : لحديث.
(٤) في ل : وتوفيقه.
(٥) في ل : ثار به.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
