أحكاما في العبادات ، وبحقّ ذلك ، فإنها شطر (١) الإيمان ، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم (٢) : الوضوء شطر الإيمان ، في صحيح الخبر عنه.
ولقد قال بعض العلماء : إنّ فيها ألف مسألة ، واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتتبّعوها فبلغوها ثمانمائة مسألة ، ولم يقدروا أن يبلغوها الألف ، وهذا التتبّع إنما يليق بمن يريد تعريف طرق استخراج العلوم من خبايا الزوايا ، والذي يليق الآن في هذه العجالة مما نحن فيه الانتداب إلى انتزاع الجلىّ وأن نتعرض لما يسنح (٣) خاصة من ظاهر مسائلها.
المسألة الثانية ـ في سبب نزولها : لا خلاف بين العلماء أنّ الآية مدنية كما تقدم ذكره في سورة النساء ، وأنها نزلت في قصة (٤) عائشة ، كما أنه لا خلاف أنّ الوضوء كان مفعولا قبل نزولها غير متلو ، ولذلك قال علماؤنا : إن الوضوء كان بمكة سنّة ، معناه كان مفعولا بالسّنة ، فأما حكمه فلم يكن قط إلا فرضا.
وقد روى ابن إسحاق (٥) وغيره أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم لما فرض الله سبحانه عليه الصلاة ليلة الإسراء ونزل جبريل ظهر ذلك اليوم ليصلّى به فغمز الأرض بعقبه ، فأنبعت ماء ، وتوضأ معلّما له (٦) ، وتوضّأ هو معه ، وصلّى ، فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وهذا صحيح وإن كان لم يروه أهل الصحيح ، ولكنهم تركوه لأنهم لم يحتاجوا إليه ، وقد كان الصحابة والعلماء يتغافلون عن الحديث الذي لا يحتاجون إليه ، وإن ذهب ، ويكرهون أن يبتدئوا بذكره حتى يحتاج إليه بخلاف القرآن حسبما تقدم بيانه.
المسألة الثالثة ـ قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) :
هذا الخطاب وإن كان مصرّحا بالمؤمنين فإن الكافرين داخلون فيه ، لما ثبت من أنهم يدخلون في فروع الشريعة بالأدلة القاطعة ، ولكن الله سبحانه هاهنا خصّ الخطاب الملزم للإيمان ، لأنّ النازلة عرضت له ، والقصة دارت عليه.
المسألة الرابعة ـ قال لنا شيخنا فخر الإسلام بمدينة السلام : قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ
__________________
(١) شطر : نصف ، أو بعض.
(٢) ابن ماجة : ١٠٢.
(٣) في ا : نسخ.
(٤) وارجع إلى القرطبي (٥ ـ ٨٠) : نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع.
(٥) في ا : أبو إسحاق.
(٦) في ل : به.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
