سعادته [ولو] (١) قبل موته بفواق (٢) ناقة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم. العمل بخواتمه ، العمل بخواتمه.
وفي الحديث الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوّل ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتب ، فكتب مقادير الخلق إلى يوم القيامة.
وثبت في الصحيح أنه قيل : يا رسول الله ؛ هذا الأمر الذي نحن فيه أمر مستأنف أم أمر قد فرغ منه؟ فقال : فرغ ربكم. قالوا : ففيم العمل؟ قال : اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له ؛ أما من كان من أهل السعادة فييسّر لعمل أهل السعادة. ومن كان من أهل الشقاء فييسّر لعمل أهل الشقاء. ثم قرأ (٣) : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى).
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنّ العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
فإن قيل : فكيف يجوز أن يعذّب الخلق وهم لم يذنبوا ، أو يعاقبهم على ما أراده منهم ، وكتبه عليهم ، وساقهم إليه؟
قلنا : ومن أين يمتنع ذلك؟ أعقلا أم شرعا؟
فإن قيل : لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك.
قلنا : لأن فوقه آمر يأمره وناه ينهاه ، وربّنا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولا يجوز أن يقاس الخالق بالمخلوق ، ولا تحمل أفعال الإله على أفعال العباد. وبالحقيقة الأفعال كلّها لله ، والخلق بأجمعهم له ، صرّفهم كيف شاء ، وحكم فيهم كيف (٤) أراد ؛ وهذا الذي يجده الآدمىّ إنما تبعث عليه رقة الجبلّة ، وشفقة الجنسية ، وحبّ الثناء والمدح ، لما يتوقع
__________________
(١) ليس في ل.
(٢) فواق الناقة : ما بين الحلبتين من الراحة ، وتضم فاؤه وتفتح ؛ أى قدر فواق ناقة (النهاية).
(٣) سورة الليل ، من آية ٥ ـ ١٠.
(٤) في ل : كما.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
