فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه واشتواه ، فوجدوا ريحه ، فجاءوه ، فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع. قالوا : وما صنعت؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك ، وكانت لهم مدينة لها ربض (١) يغلقونها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم ، فغدا إليهم جيرانهم ممن كان حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجبهم أحد ، فتسوّروا عليهم المدينة ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد منهم مدنو فيتمسّح بمن كان يعرف قبل ذلك.
قال الحسن : فأكلوا ـ والله ـ أوخم أكلة أكلها قوم ، وعوقبوا أسوأ عقوبة في الدنيا وأشدّها عذابا في الآخرة. ثم قال الحسن : والله لقتل المؤمن أعظم عند الله من أكل الحيتان.
المسألة الخامسة ـ لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم ، ووعظهم أحبارهم فلم يقبلوا منهم ، فاستمرّوا على نهيهم لهم ، ولم يمنع من التمادي على الوعظ والنهى عدم قبولهم (٢) ؛ لأنه فرض قبل أو لم يقبل ، حتى قال لهم بعضهم : (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ)؟ يعنى في الدنيا ، (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) في الآخرة؟ قال لهم الناهون : معذرة إلى ربكم ، أى نقوم بفرضنا ؛ ليثبت عذرنا عند ربنا.
المسألة السادسة ـ قوله (٣) : (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) ؛ أى تركوه عن قصد.
وهذا يدل على أنّ النسيان لفظ ينطلق على الساهي والعامد ردّا على أهل جهالة زعموا أنّ الناسي والساهي لمعنى واحد. وهؤلاء قوم لا معرفة لهم باللغة ، وقصدهم هدم الشريعة ، وقد بينا ذلك في غير موضع ، وحققنا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : فمن نام عن صلاة أو نسيها (٤) فليصلّها إذا ذكرها. وقلنا : معناه من نام عن صلاة أو تركها فليصلّها متى ذكرها. فالساهي له حالة ذكر ، والعامد هو أبدا ذاكر ؛ وكلّ واحد منهم يتوجّه عليه فرض القضاء متى حضره الذكر دائما أو في حال دون حال ، وبهذا استقام نظام الكلام ، واستقرّ حكم شريعة الإسلام.
__________________
(١) الربض : ما حول المدينة خارجا عنها.
(٢) في ل : فتواهم.
(٣) من الآية ١٦٤ من السورة.
(٤) في ل : أو تركها.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
