فيها أربع مسائل :
المسألة الأولى ـ كان موسى من أعظم الناس غضبا ؛ لكنه كان سريع الفيئة (١) ، فتلك بتلك.
قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : كان موسى إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ، ورفع شعر بدنه جبّته ؛ وذلك لأنّ الغضب جمرة تتوقّد في القلب ، ولأجله أمر النبىّ صلى الله عليه وسلم من غضب أن يضطجع ، فإن لم يذهب غضبه فليغتسل ؛ فيخمدها اضطجاعه ، ويطفئها اغتساله.
وقد روى البخاري وغيره ، عن ابن طاوس ، عن أبيه وغيره ، عن أبى هريرة ، قال : أرسل ملك الموت إلى موسى ، فلما جاءه صكّه صكة ففقأ فيها عينه ، فرجع إلى ربه ، فقال : أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت. فقال : ارجع إليه ، فقل له يضع يده على متن ثور فله بكلّ شعرة سنة. قال : أى رب ، ثم ماذا؟ قال : الموت. قال : فالآن ... الحديث.
وهذا كلّه من غضب موسى صلى الله عليه وسلم ، فلذلك ألقى الألواح عند رؤية عبادة العجل ، وما أوقع الغضب هاهنا! وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه.
فإن قيل ، وهي :
المسألة الثانية ـ ما معنى أخذه برأس أخيه يجرّه؟
قلنا : في ذلك قولان :
أحدهما ـ كان ذلك فيما مضى ثم نسخ.
الثاني ـ أنه ضمّ أخاه إليه ليعلم ما لديه ، فبيّن له أخوه أنهم استضعفوه ، وكادوا يقتلونه ؛ وفي هذا دليل على أنّ لمن خشي القتل عند تغيير المنكر أن يسكت عنه ـ وهي :
المسألة الثالثة ـ هذا دليل على أنّ الغضب لا يغيّر الأحكام ، كما زعمه بعض الناس ؛ فإن موسى لم يغير غضبه شيئا من أفعاله ؛ بل اطردت على مجراها ، من إلقاء لوح ، وعتاب أخ ، وصكّ ملك ، وقد استوفينا ذلك في شرح الحديث.
__________________
(١) الفيئة : الرجوع.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
