فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ القول في الحسن والأحسن :
قد بيّنا في غير موضع أنّ الحسن ما وافق الشرع ، والقبيح ما خالفه ، وفي الشّرع حسن وأحسن ، فقيل : كلّ ما كان أرفق فهو أحسن. وقيل : كلّ ما كان أحوط للعبادة فهو أحسن.
والصحيح عندي أنّ أحسن ما فيها امتثال الأوامر واجتناب النواهي. والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابى ـ حين قال له : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ـ فقال : أفلح إن صدق ، دخل الجنّة إن صدق.
المسألة الثانية ـ المباح من جملة الحسن في الشريعة بلا خلاف ، وإن اختلفوا في كونه من المأمورات ؛ لأنّه مما حسّنه الشّرع وأذن فيه.
وأما المكروه فلا خلاف أنه ليس من الحسن ؛ لأنّ المباح يمدح فاعله بالاقتصار عليه ، ولا يمدح فاعل المكروه ؛ بل هو داخل في السّرف المنهي عنه.
المسألة الثالثة ـ هذه المسألة تدخل في الأحكام إذا قلنا : إنّ شرع من قبلنا شرع لنا ، فأما الشافعية التي لا ترى ذلك فلم تدخلها في أحكامها ، ونحن نتكلّم عليها هنا من التبسّط الذي لا يحسن.
والذي يحقّق ذلك ما قدمناه من أنّ الله إنما ذكرها في القرآن ، من حسن الاقتداء ومن سيّئ الاجتناب ، وإذا مدح قوما على فعل فهو حثّ عليه ، أو ذمّهم على آخر فهو زجر عنه ، وكلّه يدخل لنا في الاهتداء بالاقتداء.
الآية الخامسة عشرة ـ قوله تعالى (١) : (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
__________________
(١) الآية الخمسون بعد المائة.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
