بالقوت فدعوى ومعنى ليس له أصل يرجع إليه ؛ وإنما تكون المعاني موجبة لأحكامها بأصولها على ما بيّناه في كتاب القياس.
وكيف يذكر الله سبحانه النعمة في القوت والفاكهة ، وأوجب الحقّ منها كلّها فيما تنوّع حاله كالكرم والنخيل ، وفيما تنوّع جنسه كالزرع ، وفيما ينصاف إلى القوت من الاستسراج الذي به تمام النعمة في المتاع بلذّة البصر إلى استيفاء النعم في الظلم.
فإن قيل : إنما تجب الزكاة في المقتات الذي يدوم ، فأما في الخضر فلا بقاء لها ؛ ولذلك لم تؤخذ الزكاة في الأقوات من أخضرها ، وإنما أخذت من يابسها.
قلنا : إنما تؤخذ الزكاة من كل نوع عند انتهائه ، باليبس (١) ، وانتهاء اليابس والطيب انتهاء الأخضر ؛ ولذلك إذا كان الرطب لا يثمر ، والعنب لا يتزبّب تؤخذ الزكاة منهما على حالهما ، ولو لم تكن الفاكهة الخضرية أصلا في اللذة وركنا في النعمة ما وقع الامتنان بها في الجنة. ألا تراه وصف جمالها ولذّتها ، فقال (٢) : (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) ؛ فذكر النخل أصلا في المقتات ، والرمّان أصلا في الخضروات. أولا ينظرون إلى وجه امتنانه على العموم لكم ولأنعامكم بقوله (٣) : (أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً. وَحَدائِقَ غُلْباً. وَفاكِهَةً وَأَبًّا).
فإن قيل : فقد قال تعالى (٤) : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ). والذي يحصد الزرع.
قلنا : جهلتم ؛ بل هو عامّ في كل نبت في الأرض. وأصل الحصاد إذهاب الشيء عن موضعه الذي هو فيه ، قال تعالى (٥) : (مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ). وقال (٦) : (حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ). وقال (٧) : (فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ). وفي الحديث : وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم.
فإن قيل : هذا مجاز ؛ وأصله في الزرع.
قلنا : هذا كلّه حقيقة ؛ وأصلها الذهاب.
__________________
(١) في ل : فما يبس انتهاء.
(٢) سورة الرحمن : ٦٨.
(٣) سورة عبس : ٢٥ ـ ٣١.
(٤) سورة الأنعام : ١٤١.
(٥) سورة هود : ١٠٠.
(٦) سورة الأنبياء : ١٥.
(٧) سورة يونس : ٢٤.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
