فإن قيل : أليس يقال جداد (١) النخل ، وحصاد الزرع ، وجذاذ البقل؟
قلنا : الاسم العامّ الحصاد ؛ وهذه خواص العام على بعض متناولاته. وقد أجاب عنه بعض العلماء بأنه ذكر الحصاد فيما يحصد دليلا على الجداد فيما يجد ؛ لأن أحدهما يكفى عن الآخر ، ولكن النبات كان أصلا لقوله : فأنبتنا به جنات ، [فجعلها قسما] (٢) وحبّ الحصيد ، فجعله قسما آخر ؛ فلما عادل الجميع اكتفى بذكره عن ذكر غيره.
فإن قيل : فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة ولا خيبر.
قلنا : كذلك عوّل علماؤنا. وتحقيقه أنّه عدم دليل لا وجود دليل.
فإن قيل : لو أخذها لنقل.
قلنا : وأى حاجة إلى نقله ، والقرآن يكفى عنه.
فإن قيل : الآية منسوخة بأنها مكية و [آية] (٣) الزكاة مدنية.
قلنا : قد قال مالك : إنّ المراد به الزكاة المفروضة. وتحقيقه في نكتة بديعة ؛ وهي أنّ القول في أنها مكية أو مدنيّة يطول. فهبكم أنها مكية ؛ إنّ الله أوجب الزكاة بها إيجابا مجملا فتعيّن فرض اعتقادها ، ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر (٤) والوقت ، فلم تكن بمكة حتى تمهّد الإسلام بالمدينة ؛ فوقع البيان ، فتعيّن الامتثال ، وهذا لا يفقه إلا العلماء بالأصول.
فإن قيل : قول النبي صلى الله عليه وسلم : «فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر» كلام جاء لبيان تفصيل قدر الواجب بحال الموجب فيه ، وليس القصد منه العموم حتى يقع التعويل عليه في استعمام ما سقت السماء.
قلنا : هذا هو كلام إمام الحرمين ، وهو من مذهباته التي بنى عليها كتاب البرهان ، وظنّ أنها لم تدرك في غابر الأزمان ؛ وليس لها في الدلائل مكان.
نحن نقول : إنّ الحديث جاء للعموم في كل مسقى ، والتفصيل قدر الواجب باختلاف حال الموجب فيه ، ولا يتعارض ذلك ؛ فيمتنع اجتماعه ، وقد مهدناه في أصول الفقه.
__________________
(١) في ل : أجذاذ ، تحريف.
(٢) من ل.
(٣) من ل.
(٤) في ا : والقول.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
