قلنا : قد أجبنا عن هذه النكتة في مسائل الخلاف ، وصرّحنا فيه بالحق من وجوه ؛ أظهرها أنّ تارك التسمية عمدا لا يخلو من ثلاثة أحوال :
أحدها ـ أن يترك التسمية إذا أضجع الذبيحة ؛ لأنه يقول : قلبي مملوء من أسماء الله وتوحيده ، فلا أفتقر إلى ذكر ذلك بلساني ؛ فذلك يجزيه ؛ لأنه قد ذكر الله وعظّمه. وإن قال : ليس هذا موضع التسمية صريحة ، فإنها ليست بقربة ، فهذا يجزيه لكونه على مذهب يصحّ اعتقاده اجتهاد للمجتهد فيه وتقليدا لمن قلّده. وإن قال : لا أسمى ، وأى قدر للتسمية؟ فهذا متهاون كافر فاسق لا تؤكل ذبيحته ، فإنما يتصوّر الخلاف في المسألة على الصورتين الأوليين ، فأما على الصورة الثالثة فلا تشخيص لها.
والذي نعتمد عليه في صورة الناسي أنّ الخطاب لا يتوجّه إليه ، لاستحالة خطاب الناسي ؛ فالشرط ليس بواجب عليه.
المسألة الثامنة ـ قوله تعالى : (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ) :
سمّى الله تعالى ما يقع في القلوب من إلهام وحيا ، وهذا مما يطلقه شيوخ التصوف ، وينكره جهّال المتوسّمين بالعلم ، ولم يعلموا أن الوحى على ثلاثة (١) أقسام ، وإن إطلاقه في جميعها جائز في دين الله ، أولستم ترون أنّ الله سبحانه قد سمّى إلهام الشياطين وحيا ؛ وكلّ ما يقوم بالقلب من الخواطر فهو خلق الله ؛ فكلّ ما كان من الشر أضافه الله إلى الشيطان ، وما كان من الخير أضافه الله إلى الملك. وفي الحديث : إن القلب بين لمّتين (٢) لمّة من الملك ولمّة من الشيطان ؛ فلمّة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحقّ.
المسألة التاسعة ـ قوله : (لِيُجادِلُوكُمْ) :
المجادلة : دفع القول على القول على طريق الحجّة بالقوة ، مأخوذ من «الأجدل» : طائر قوىّ ، أو لقصد المغالبة ؛ كأنه يطرحه على الجدالة (٣) ، ويكون حقّا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل ، قال تعالى (٤) : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
__________________
(١) في ل : ثمانية.
(٢) اللمة : الهمة والخطرة تقع في القلب ، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه ، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان.
(٣) الجدالة : الأرض.
(٤) سورة العنكبوت ، آية ٤٦
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
