وأما من قال : إنها ثابتة فاختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال : إنّ شهادة أهل الذمة جائزة في السفر ؛ منهم أحمد كما تقدم يجوّزها في السفر عند عدم المسلمين بغير يمين ، وصار بعض أشياخنا إلى أنّ ذلك باق باليمين ، وهو خرق للإجماع ، وجهل بالتأويل ، وقصور عن النظر ، وإذا أسقط أحمد اليمين ، فلا حجة له في الآية ولا في الحديث ؛ لأن اليمين تثبت فيهما جميعاً.
والصحيح أن الشهادة اليمين ، وهي هاهنا يمين الوصيّين ، كما سمّيت اليمين في اللّعان شهادة.
وقال الطبري : إنما حكم الله سبحانه باليمين على الشاهدين في هذا الموضع من أجل دعوى ورثة الميت على المسند إليهما الوصية بالخيانة ، أو غير ذلك ، ما لا يبرأ فيه المدّعى ذلك قبله إلا بيمين ؛ فإنّ نقل اليمين إلى ورثة الميت إنما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين في أيمانهما بإثم ، وظهر على كذبهما في ذلك بما ادّعوا من مال الميت أنه باعه منهما ، وهذا بناء على أن الخيانة ظهرت في أداء المال ، ولذلك حلفا مع الشهادة.
قال القاضي ابن العربي : وهذا يصحّ على إحدى الروايات التي ذكر فيها أنهما ادّعيا بيع الجام منهما.
وأما على الرواية الأخرى فلا يستقيم هذا التأويل ؛ لأنّ الشاهدين أدّيا التركة فيما ذكر فيها ، وانقلبا على ستر وسلامة ، ثم بعد ذلك ظهرت الخيانة في الجام ؛ إما بأنه وجد يباع ، وإما بتحرج تميم الداري وتأثّمه وأدائه ما كان أخذه منه.
وتحقيق الكلام فيه أنّ كلّ رواية من تلك الروايات عضدتها صيغة القصة (١) في كتاب الله وسردوها (٢) فإنها صحيحة ، وكل ما لم يعضده منها فهو مردود.
أما إنه إذا فسرت الكلام في كتاب الله فاحتجت إلى تجويز أو تقديم أو تأخير فكلما كان أقل في ذلك من التأويلات فهو أرجح ، وكلما كان من خلاف الأصول فيه أقل فهو أرجح ، كتأويل فيه إجازة شهادة (٣) الكافر وإحلاف الشاهد على شهادته ؛ فإنّ
__________________
(١) قصة الجام كاملة سبقت صفحة ٧١٣ ، وهي في القرطبي : ٦ ـ ٣٤٦.
(٢) في ل : وسردناها.
(٣) في ا : وشهادة.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
