التأويل الذي يخرج عنه هذا هو أرجح ، ولا يسلم تأويل من اعتراض ؛ فإن البيان من الله تعالى في هذه الآية للأحكام جاء على صفة غريبة (١) وهو سياقه على الإشارة إلى القصة ؛ ولذلك جاء بانتقالات كثيرة ، منها أنه قال : (فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما). وربما كان المدعى واحدا ، فليس قوله تعالى : (فآخران) خارجا مخرج الشرط ، وإنما هو كناية عمّا جرى من العدد في القصة ، والواحد كالاثنين فيها ؛ فيطلب الناظر مخرجا أو تأويلا للفظ لا يحتاج إليه ، فيدخل الإشكال على نفسه من حيث لا يشعر به ، فلا يساحل (٢) عن هذا البحر أبدا ؛ وكذلك ما جرى من التعديد لا يمنع من كون الشهادة بمعنى اليمين ، كما في اللعان. وإن كان لم يذكر في اللّعان عددا ، وجرى ذكره هاهنا لاتّفاقه في القصة ؛ لا لأنه شرط في الحكم.
وكذلك ذكر العدالة تنبيها على ما يجب ؛ لأنه إن أشهده وجب أن يكون عدلا لتحمل الشهادة ، فإن ائتمنه وجب أن يكون عدلا لأداء الأمانة.
المسألة التاسعة والثلاثون ـ في تقدير الآية :
وهو : يا أيّها الذين آمنوا إذا ضربتم في الأرض ، وحضركم المرض الذي هو سبب الموت ، وأردتم الوصية فأشهدوا ذوى عدل منكم من قرابتكم أو آخران من غيركم فإن خافا فاحبسوهما على اليمين إن عدمتم البينة. فإن تبينت بعد ذلك خيانتهم حلف ممن حلفوا له ، وهو أولى باستحقاق ما يجب باليمين.
وعلى مذهب أحمد يكون تقدير الآية : فاشهدوا ذوى عدل من المسلمين ، فإن لم تجدوا فأشهدوا الكفّار ؛ فإن أدّيا ما أحضرا له أو ائتمنا عليه فبها ونعمت ، وإن أدركتهم تهمة أو تبينت عليهم خيانة ، حلفوا. وليس في الآية ما يدلّ على قبول شهادتهم في الوصية على مذهب أحمد.
وإنما قبلنا نحن شهادة العدل في الوصية بدليل آخر غير هذه الآية ، وكذلك قوله : إنما يكون ذلك من قبول شهادة الكفار إذا عدم المسلمون ، وليس في هذه الآية إلا التسوية بينهما ، فكلّ شيء يعترضكم من الإشكال على دليلنا وتقديرنا الذي قدّرناه آنفا ، فانظروه في موضعه هاهنا تجدوه مبيّنا إن شاء الله تعالى.
__________________
(١) في ل : عربية.
(٢) ساحل : أتى ساحل البحر وشاطئه.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
