وعلى إقرارهم على هذا الإنكار بذلوا الجزية ، ولكنهم يحلفون ، كما روى أبو داود وغيره أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم قال لليهود : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، وتغلّظ عليهم بالمكان في كنائسهم ، وبالزمان بعد صلاتهم ، كما تقدم ذكره في قصة دقوقاء (١) ؛ فإنّ الغرض من هذا التغليظ كلّه زجر الحالف عن الباطل ، والرجوع إلى الحق ، ورهبته بما يجلّ من ذلك ، حتى يكون ذلك داعية للانكفاف عن الباطل والرجوع إلى الحق ، وهو معنى(٢) : (ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها).
وقد حققنا هذا الغرض ، فقلنا : إن الله سبحانه ما غلظ في كتابه يمينا ، إنما قال : فيقسمان بالله. وقال تعالى (٣) : (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ). وقال مخبرا عن خليله (٤) : (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ). وقال النبىّ صلى الله عليه وسلم : من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.
ولكن قد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتّقوا الله ، فو الله الذي لا إله إلّا هو لتعلمنّ أنّى رسول الله حقا.
وروى النسائي وأبو داود أنّ خصمين أتيا النبىّ صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدّعى : البينة. قال : يا رسول الله ، ليس لي بيّنة. فقال للآخر : احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عليك شيء ، أو ما له عندك شيء.
وتغليظ العدد في اللعان ، وهو التكرار ، وفي القسامة (٥) مثله.
وزعم الشافعى أنه رأى ابن مازن قاضى صنعاء يحلف بالمصحف ويؤثر أصحابه (٦) ذلك عن ابن عباس ، ولم يصحّ.
وأما التغليظ بالحال فروى عن مطرّف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعى أنه يحلف قائما مستقبل القبلة.
وروى ابن كنانة عن مالك : يحلف جالسا.
__________________
(١) دقوقاء : مدينة بين إربل وبغداد لها ذكر في الأخبار والفتوح ، كان بها وقعة للخوارج (ياقوت).
(٢) سورة المائدة ، آية ١٠٨.
(٣) سورة يونس ، آية ٥٣.
(٤) سورة الأنبياء ، آية ٥٧.
(٥) القسامة : الأيمان تقسم على الأولياء في الدم (المختار).
(٦) ويؤثر أصحابه : ينقلون.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
