ذلك في سورة البقرة ، ويتخصّص (١) به هاهنا أنّ الله تعالى لما قال : إذا ضربتم (٢) في الأرض ، كان ذلك شرطا فيه حيث لا يوجد مسلم في الغالب ، فيؤخذ الكافر عوضا منه للضرورة في الشهادة ؛ قاله جماعة من التابعين ، واختاره أحمد بن حنبل ، وأجاز شهادة أهل الذمة (٣) على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين ، واحتجّ بالحديث والآية. ونبيّنه فيما بعد ، إن شاء الله تعالى.
المسألة التاسعة عشرة ـ قوله تعالى : (فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) ، يعنى وقد أسندتم النظر إليهما ، واستشهدتموهما. أو ارتبتم بهما على ما تقدم بيانه في سرد القصص والروايات وذكر الآثار والمقالات.
المسألة الموفية عشرين ـ قوله تعالى : (تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) :
وفي ذلك دليل على حبس من وجب عليه الحقّ ، وهو أصل من أصول الحكمة ، وحكم من أحكام الدين ؛ فإن الحقوق المتوجهة على قسمين : منها ما يصحّ استيفاؤه معجّلا ، ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلّا مؤجّلا. فإن خلّى من عليه الحقّ وغاب واختفى بطل الحقّ وتوى (٤) ، فلم يكن بدّ من التوثّق منه ، فإما بعوض عن الحق ويكون بمالية موجودة فيه ؛ وهي المسمّى رهنا ، وهو الأولى والأوكد ؛ وإما شخص يتوب منا به في المطالبة والذمة ، وهو دون الأول ؛ لأنه يجوز أن يغيب كغيبته ، ويتعذّر وجوده كتعذره ، ولكن لا يمكن أكثر من هذا. فإن تعذّرا جميعا لم يبق إلا التوثّق بحبسه ، حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حقّ ؛ فإن كان الحقّ بدنيّا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلا ، لم يبق إلا التوثّق بسجنه ؛ ولأجل هذه الحكمة شرع السجن.
وقد روى الترمذىّ وأبو داود أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة رجلا ثم خلّى عنه.
وفي مصنّف عبد الرزاق أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم أتى بسارق فقال : احبسوه ؛ فإن مات صاحبه فاقتلوه.
__________________
(١) في ل : ويختص.
(٢) نص الآية : إن أنتم ضربتم في الأرض.
(٣) في ل : الكافر.
(٤) توى المال : ذهب فلم يرج.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
