وقد جعل أهل الصناعة هنا «بين» للظرف ، وكثر ذلك حتى جعل اسما في الأهواء المتباينة ، مجازا يعبّر به عنها ، وعليه يخرج : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) على قراءة الرفع. المعنى : لقد تفرّقت أهواؤكم وأخلاقكم.
وتارة تضاف بالكناية إليه فيقال : ذات البين. قال الله سبحانه (١) : (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ).
قال الشاعر :
وأهل خباء صالح ذات بينهم
كما تقدم.
ويقال : الأمر الذي بينكم ، وما بينكم مبهم ، معناه الأمر الذي فرقكم. فإذا ثبت هذا فمعنى قوله : (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) ، أى شهادة اختلافكم وتنازعكم ؛ فتكون الشهادة مضافة إلى المصدر ، لا إلى الظرف ولا على تقدير محذوف. وهذه غاية البيان ، ولو هدى له من تكلم على الآية ما تخبّط فيها ولا خلط معانيها.
المسألة السادسة ـ قوله تعالى : (إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) :
ولفظ «حضر» يعبّر به عن الوجود مشاهدة ، وضدّه غاب ، وهو أيضا عبارة عن الوجود الذي لم يشاهد ، وقد يعبّر بقولك : «غاب» عن المعدوم. والباري ـ سبحانه ـ عالم الغيب والشهادة ؛ أى عالم الموجود والمعدوم ؛ لأنه مثل الوجود في عدم المشاهدة.
وقد وردت هذه اللفظة عبارة عن الموت في كتاب الله حقيقة ، وهو في قوله تعالى(٢): (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ). وفي قوله (٣) : (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) ؛ فهو في هذين الموضعين حقيقة الوجود مشاهدة.
وأما ورودها مجازا فبأن يعبّر عن حضور سببه بحضوره ، وهو المرض ، فيعبّر عن المسبّب بالسبب ، وهو أحد قسمي المجاز ، كما بينّاه في غير موضع.
المسألة السابعة ـ قوله تعالى : (حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ) :
ومعنى «حين» وقت ؛ وتقدير الآية شهادة بينكم إذا أردتم الوصية ، وقد مرضتم ؛
__________________
(١) سورة الأنفال ، آية ١.
(٢) سورة النساء ، آية ١٨.
(٣) سورة المؤمنون ، آية ٩٩
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
