قال علماؤنا : فلا بد ـ والله أعلم ـ بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإسلام إلى واحد كما بدأ من واحد ، ويضعف الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، حتى إذا قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف ، وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكّنا منه ، معانا عليه بكثرة الدعاة إلى الله تعالى ، وذلك لقوله : لأنكم تجدون على الخير أعوانا ، وهم لا يجدون إليه أعوانا ، حتى ينقطع ذلك انقطاعا باتّا ، لضعف اليقين ، وقلة الدين ، كما قال صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله. يروى برفع الهاء ونصبها من المكتوبة ، فإن رويت برفع الهاء كان معناه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى موحّد يذكر الله عز وجل ، وإذا نصبت الهاء كان معناه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى آمر بمعروف ، ولا ناه عن منكر يقول : خافوا الله ، وحينئذ يتمنّى العاقل الموت ، كما قال صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل (١) فيقول : يا ليتني مكانه.
الآية الرابعة والثلاثون ـ قوله تعالى (٢) : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ، وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ. فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ. ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ).
وإنما نظمناها ؛ لأنها في قصة واحدة ؛ وهذه الآية من المشكلات ، وقد عسر القول فيها على المتبحّرين ، فأما الشادون فالحجاب بيننا وبينهم معزف ، والسبيل الموصلة إليها
__________________
(١) في ل : أخيه.
(٢) الآية السادسة والسابعة والثامنة بعد المائة.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
