الثاني ـ من شهد منكم الشهر فليصم منه ما شهد وليفطر ما سافر.
وقد سقط القول الأول بالإجماع من المسلمين كلّهم (١) على الثاني ، وكيف يصحّ أن يقول ربّنا سبحانه : فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد ، وقد روى أن النبىّ صلى الله عليه وسلم سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكديد (٢) ، فأفطر وأفطر المسلمون.
المسألة الخامسة ـ إذا صام في المصر ، ثم سافر في أثناء اليوم لزمه إكمال الصوم ، فلو أفطر قال مالك : لا كفّارة عليه ؛ لأنّ السفر عذر طرأ ، فكان كالمرض يطرأ عليه.
وقال غيره : عليه الكفّارة ، وبه أقول ؛ لأنّ العذر طرأ بعد لزوم العبادة ، ويخالف المرض والحيض ، لأنّ المرض يبيح له الفطر ، والحيض يحرّم عليه الصوم ، والسفر لا يبيح له ذلك ؛ فوجبت عليه الكفّارة لهتك حرمته.
المسألة السادسة ـ لا خلاف أنه يصومه من رآه ، فأما من أخبر به فيلزمه الصوم ؛ لأنّ رؤيته قد تكون لمحة ، فلو وقف صوم كلّ واحد على رؤيته لكان ذلك سببا لإسقاطه ، إذ لا يمكن كلّ أحد أن يراه وقت طلوعه ، وإنّ وقت الصلاة الذي يشترك في دركه كلّ أحد ويمتدّ أمده يعلم بخبر المؤذّن ، فكيف الهلال الذي يخفى أمره ويقصر أمده؟
وقد اختلف العلماء في وجه الخبر عنه ؛ فمنهم من قال : يجزى فيه خبر الواحد كالصلاة ، قاله أبو ثور ؛ ومنهم من أجراه مجرى الشهادة في سائر الحقوق ، قاله مالك ؛ ومنهم من أجرى أوله مجرى الإخبار وأجرى آخره مجرى الشهادة ، وهو الشافعى ؛ وهذا تحكّم ولا عذر له [٤٦] في الاحتياط للعبادة ، فإنه يحتاط لدخولها كما يحتاط لخروجها ، والاحتياط لدخولها ألا تلزم (٣) إلا بيقين.
وأما أبو ثور فاستظهر بما روى عن ابن عباس (٤) ، قال : جاء أعرابىّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبصرت الهلال الليلة ، فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا
__________________
(١) في ا : وكلهم.
(٢) موضع بالحجاز. والحديث في معجم البلدان : قال ابن إسحاق : سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في رمضان فصام وصام أصحابه حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر.
(٣) في م : لا تلزم.
(٤) ابن ماجة ، صفحة ٥٢٩
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
