بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
فيها أربع عشرة مسألة :
المسألة الأولى ـ قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) ، وقد (١) تقدّم ، وبديع الإشارة فيه(٢) ما أشرنا إليه في كتاب المشكلين المحفوظ.
المعنى ثبت عليكم في اللّوح الأول الذي لا يدخله نسخ ولا يلحقه تبديل ؛ وقد بيّنا قبل أنّ الفروض على قسمين : فرض مبتدأ ، وفرض يترتّب على الإرادة ، وقد بينا أنّ هذا فرض مبتدأ.
المسألة الثانية ـ قوله تعالى : (إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ).
قال علماؤنا : ليس يريد حضور الموت حقيقة ؛ لأن ذلك الوقت لا تقبل له توبة ، ولا له في الدنيا حصّة ، ولا يمكن أن ننظم من كلامها لفظة ، ولو كان الأمر محمولا عليه لكان تكليف محال لا يتصوّر ؛ ولكن يرجع ذلك إلى معنيين : أحدهما إذا قرب حضور الموت ، وأمارة ذلك كبره في السن ؛ أو سفر ؛ فإنه غرر ؛ أو توقّع أمر طارئ غير ذلك ؛ أو تحقّق النفس له بأنها سبيل هو آتيها (٣) لا محالة ؛ [إذ الموت ربما طرأ عليه اتفاقا] (٤).
الثاني ـ أن معناه إذا مرض ؛ فإن المرض سبب الموت ، ومتى حضر السبب كنّت به العرب عن المسبّب ، قال شاعرهم (٥) :
|
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا |
|
قولا يبرّئكم إنى أنا الموت |
المسألة الثالثة ـ قوله تعالى : (الْوَصِيَّةُ) (٦) : هي القول المبين لما يستأنف عمله والقيام به ، وهي هاهنا مخصوصة بما بعد الموت ، وكذلك في الإطلاق والعرف.
المسألة الرابعة ـ تأخير الوصية إلى المرض مذموم شرعا ، روى مسلم والأئمة (٧) أن
__________________
(١) صفحة ٦١ من هذا الجزء.
(٢) في م : ويدفع الإشارة ما أشرنا إليه.
(٣) في ا : موانيها.
(٤) ليس في م.
(٥) والقرطبي : ٢ ـ ٢٥٨ ، والبيت الأول في اللسان ـ صوت ـ منسوب إلى رويشد الطائي.
(٦) في القرطبي : هذه آية الوصية ، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية ، وفي النساء : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ). وفي المائدة : (حِينَ الْوَصِيَّةِ) والتي في البقرة أتمها وأكملها.
(٧) صحيح مسلم : ٢ ـ ٧١٦
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
