وجعل الأمر في الدنيا دولة تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة ، ثم قال : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً). فتوهّم من توهّم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله ، وذلك يسقط فائدته. وإنما معناه ثلاثة أوجه :
الأول ـ لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ، ويذهب آثارهم ، ويستبيح بيضتهم ، كما جاء في الحديث : ودعوت ربي ألّا يسلّط عليهم عدوّا من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها.
الثاني ـ أنّ الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن تتواصوا بالباطل ، ولا تتناهوا عن المنكر ، وتتقاعدوا عن التوبة ؛ فيكون تسليط العدوّ من قبلكم ؛ وهذا نفيس جدا.
الثالث ـ أنّ الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع ؛ فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع ، ونزع بهذا علماؤنا في الاحتجاج على أنّ الكافر لا يملك العبد المسلم ؛ وبه قال أشهب والشافعى ؛ لأنّ الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه ، والملك بالشراء سبيل فلا يشرع ولا ينعقد بذلك.
وقال ابن القاسم عن مالك ، وهو قول أبى حنيفة : إنّ معنى (لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) في دوام الملك ؛ لأنّا نجد ابتداءه يكون له عليه ، وذلك بالإرث ، وصورته أن يسلم عبد كافر في يدي كافر فيلزم القضاء عليه ببيعه ، فقبل الحكم ببيعه مات ، فيرث العبد المسلم وارث الكافر ، فهذه سبيل قد ثبتت ابتداء ، ويحكم عليه ببيعه.
ورأى مالك في رواية أشهب والشافعى أنّ الحكم بملك الميراث ثابت قهرا لا قصد فيه.
فإن قيل : ملك الشراء ثبت بقصد اليد ، فقد أراد الكافر تملّكه باختياره.
قلنا : فإن الحكم بعقد بيعه وثبوت ملكه ؛ فقد تحقّق فيه قصده وجعل له سبيل اليد ، وهي مسألة طيولية عظيمة ، وقد حققناها في مسائل الخلاف ، وحكمنا بالحق فيها في كتاب الإنصاف لتكملة الإشراف ، فلينظر هنالك.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
